أغوات الجزائر
أغوات الجزائر، هما قادة عسكريون من الإنكشارية، حكموا إيالة الجزائر التابعة للدولة العثمانية بين عامي 1659 و1671. تميزت هذه المرحلة "بحكم الأغوات" (آغا الجبل أو آغا الحرس) الذي أعقب عهد الباشوات، وساد فيها عدم الاستقرار، الاغتيالات السياسية، والفوضى، قبل أن ينتقل الحكم إلى الدايات. وكان الأغا هو أعلى رتبة لأوجاق الإنكشارية، وكان يُطلق عليه اسم "أغا القمرين"، ويرجع ذلك إلى أنه لا يبقى في منصبه لمدة تزيد عن شهرين، لضمان عدم توطيد سلطته.
قائمة الأغوات
التاريخ
كانت الدولة العثمانية في أوائل القرن السادس عشر أعظم قوة في الشرق الأدنى وفي حوض شرق المتوسط وكانت تمثل القوة الاسلامية الفتية خاصة بعد أن نجحت في الاستيلاء على أملاك الدولة المملوكية في الشام ومصر والحجاز واليمن. وقد تعرضت البلاد العربية في شمال أفريقيا للخطر والأطماع الاستعمارية الپرتغالية والإسپانية فاستولت الپرتغال على شواطئ المغرب الأقصى بينما استولت إسپانيا على شواطئ الجزائر إلى طرابلس شرقاً، فكان الأمر يستوجب دولة بحرية قوية لمواجهة الخطر المحدق ببلاد الاسلام في شمال أفريقيا.[1] وقد حتمت هذه الظروف إلى الاستنجاد بالعثمانيين الذين استطاعوا ملأ الفراغ السياسي وقتها بذلك دخلت الجزائر تحت حكم الدولة العثمانية باسم الرابطة الاسلامية والولاء للسلطان. نتيجة لذلك أصبحت الجزائر أول إيالة عثمانية في شمال أفريقيا سنة 1515، وبموجب ذلك عُين خير الدين بربروس كأول حاكم عثماني للجزائر العثمانية وأخذ لقب البيلرباي، وتواصل نظام البيلربايات حتى استبدله العثمانيون بنظام الباشوات عام 1516، وحكموا الباشوات الجزائر حتى عام 1659، عندما قام أوجاق الجزائر الإنكشارية بانقلاب ضد سياسة الباشوات حيث انتزعت السلطة من يد صاحبها الباشا وأُسندت السلطة التنفيذية للأغا على ألا تزيد مدة حكمه عن شهرين فقط. عُرفت فترة الأغوات بكونها من أسوأ مراحل الحكم العثماني في الجزائر، تميز بالاضطرابات والاغتيالات المتكررة للحكام. انتهى هذا العهد بعد فشل الأغوات في تثبيت حكمهم، مما أدى إلى استلام طائفة الريس للسلطة وبداية عهد الدايات.
ثورة أوجاق الجزائر
مقالة مفصلة: ثورة أوجاق الجزائر

ثورة الأوجاق أو ثورة الأغوات،[2]، هي ثورة عسكرية هامة غيرت القواعد الأساسية لحكومة إيالة الجزائر العثمانية،[3] بالإضافة إلى علاقاتها مع مركز الحكم العثماني في إسطنبول. وقد جرت هذه الأحداث خلال فترة تحول الدولة العثمانية، واستمرت من يونيو حتى سبتمبر 1659، واعتُبرت إلى حد كبير نتيجة لفقدان الإيالة أهميتها التي كانت تتمتع بها لدى القسطنطينية في القرن السادس عشر؛ إذ أدت عقود من التهميش، تجلّت في تعيين حكام غير أكفاء وتضارب المصالح فيما يتعلق بالعلاقات مع القوى الأوروپية،[4] إلى جعل كل من القراصنة البربر وإنكشارية الجزائر أقل ميلاً للالتزام بالقضية العثمانية.[5] وقد بلغ هذا ذروته في صعود فيلق الأوجاق الإنكشارية كأبرز فصيل في النخبة السياسية الجزائرية العثمانية.[6]
في نهاية عهد إبراهيم پاشا (1656-1659)، اندلعت ثورة عارمة ضده بقيادة قادة القراصنة والأوجاق. أما طائفة الريس، فقد ثاروا لأن إبراهيم پاشا حرمهم من المبالغ التي خصصتها لهم الدولة العثمانية تعويضاً عن خسائرهم في البحر الأدرياتي.[7] ودفع الرشاوى لرجال الدولة في القسطنطينية لإبقائه في منصبه. ولهذا السبب، هاجم القراصنة قصره، واعتقلوه، وسجنوه. وكان الأوجاق يسعون باستمرار لاغتنام الفرص للاستيلاء على السلطة، ووجدوا في هذه الحادثة فرصة سانحة لهم، فقاموا بانقلاب مفاجئ ضد الپاشا.[8] قضى الإنكشارية فعلياً على سلطة الپاشا، الذي أصبح منصبه شرفياً فقط،[9] واتفق على تفويض السلطة التنفيذية إلى ديوان الجزائر برئاسة القائد العام لأوجاق الجزائر، خليل أغا.[10]
حكم الأغوات

خليل أغا
مقالة مفصلة: خليل أغا
كان خليل البلقباشي، الذي حكم الجزائر لاحقاً باسم خليل أغا، واحداً من أبرز أعضاء الديوان الخاص ومن أكثرهم نفوذاً؛ ولقد أُسند إليه منصب الأغا رسميأً في يوليو 1659، وعين الديوان لتصريف شؤون الحكم هيئة ذات سلطات استشارية وتنفيذية مكونة من 24 معزول أغا يرأسها الحاكم الجديد، والمرجح أنها حلت محل الديوان الخاص الذي لم يعد قائماً في شكله المعهود بعد الانتقال إلى نظام الأغوات؛ ووضعت هذه الإدارة الجديدة تحت رقابة أعضاء الديوان العام. استهل خليل أغا حكمه باتخاذ تدابير من شأنها تنظيم مالية الدولة، إلى جانب توفير موارد إضافية للخزينة، حيث قام بناء على عرائض من ممثلي التجار المحليين والأجانب بإلغاء جميع الغرامات المجحفة التي كان يفرضها الولاة عليهم، وأكثر من ذلك، خفض نسبة التعريفات الجمركية في سعيه لتفعيل حركة التجارة. كما أولى عناية خاصة بمسألة الجباية، وتجلى ذلك في المتابعة الصارمة التي فرضت على الملتزمين، وفي استبدال عدد من القادة المشكوك في نزاهتهم بآخرين من صف الأغوات المعزولين.
وقد استطاع خليل أغا بفضل حسن تدبيره دفع أجور الجنود الإنكشارية كاملة، وفي وقتها المحدد، بل وحصل فائضاً أودع في الخزينة، وهذا ما جعل الإنشكارية تحترمه وتنظر إليه بعين الرضى، حتى أنها درجت على تلقيبه "بابا خليل".
علاقاته الخارجية
الباب العالي
فور وصول علي پاشا إلى إزمير، قدّم تقريراً عماً رآه وطلب الإذن من قاضيها لإبلاغ إسطنبول بذلك. استشاط الصدر الأعظم محمد پاشا كوپريلي غضباً من انتفاضة الجزائر، معتبراً إياها عصياناً للسلطان العثماني. وبسبب غضبه الشديد، استدعى علي پاشا إلى إسطنبول وأمر بإعدامه.[10] في تلك الأثناء، أرسل ديوان الجزائر وفداً محملاً بالهدايا إلى الباب العالي لطلب پاشا آخر، لكن الصدر الأعظم العثماني رفض استقبال الوفد وأصدر مرسوماً إلى الجزائريين يحذرهم فيه بالرسالة التالية: "وأخيراً، لن نرسل إليكم والياً. بايعوا من شئتم. السلطان ليس بحاجة إلى طاعتكم. لدينا آلاف الممالك مثل الجزائر، سواء كانت مملكة واحدة أو لا شيء. وإذا اقتربتم من الأراضي العثمانية، فلن ترضوا."[11] بعد ذلك، أصدر الصدر الأعظم مرسوماً آخر إلى موانئ جميع السواحل العثمانية، وكذلك إلى إيالتي مصر وشريف مكة، يطلب منهم منع الجزائريين من أداء فريضة الحج، وعدم بيع الأسلحة لهم، ومنعهم من الاقتراب من السواحل العثمانية. ويترتب على ذلك تعطيل موسم الحج والتجارة إلى الشرق، وما قد يترتب عليه من استياء محتمل لدى السلطات الدينية والسكان المحليين، فضلاً عن توقف عملية التجنيد الحيوية لجيش الأوجاق، مما يهدد وجوده.[10]
وقع الجزائريون في حيرة من أمرهم، فقد أظهرت هذه القرارات غير المتوقعة حاكمهم الجديد خليل أغا بمظهر المتمرد على السلطان، وذلك في حين ظل وفدهم قرابة عام كامل في إزمير دون أن يُسمح له بمقابلة الصدر الأعظم. وكمخرج مؤقت من المأزق، عمد الأغا والديوان إلى إخراج إبراهيم باشا من السجن، وأعادوه إلى منصبه بشرط أن لا يتدخل في أمور السياسة مطلقاً.
مع فرنسا
على الصعيد الأوروپي، سممت مشكلة الباستيون العلاقات بين الجزائر وفرنسا. لكن خليل أغا سمح مع ذلك للمقيمين الفرنسيين بمزاولة أنشطتهم التجارية بكل حرية وأمر طائفة الريس بعدم التعرض لسفنهم، بعد حصوله على ضمانات من حكام مارسيليا بخصوص إرجاع الأسرى الجزائريين. وهذا يدل بقدر كافي على أن "السلطات الجزائرية لم تكن لديها رغبة أكبر من العيش في سلم مع الفرنسيين". في نهاية يونيو 1659، جاءت بعثة مارسيليا يقودها لوي كامپون ، الذي فوضه ملك فرنسا ليكون الحاكم الجديد للباستيون؛ ورغم أنه حمل معه نحو خمسين جزائرياً ممن خطفهم پيكه، إلا أن الديوان رفض إقراره في منصبه حتى يعاد باقي الأسرى الذين بيعوا في ليفورنة وتُستوفى بالإضافة لذلك كامل ديون الباستيين.
في ذلك الوقت، كانت العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا تمر بفترة من الفتور بسبب المساعدات التي بذلتها فرنسا للبندقية في حرب كريت. واستاء البلاط الفرنسي كثيراً من المعاملة السيئة التي عومل بها السفير دي لاهي ونجله، وتجسد هذا الستياء في الإعداد لتحركات عدائية ضد "الدولة البربرية"، وهو الاسم الذي كان الأوروپيون يطلقونه على الإيالات العثمانية الثلاث في شمال أفريقيا، الجزائر وتونس وطرابلس. كان أبراهام دوكين قد اقترح على الوزير مازران في أكتوبر 1659 تنظيم حصار بحري ضد الجزائر، تونس، وطرابلس. وفي فبراير 1660 توجه الملك لويس الرابع عشر إلى طولون، حيث أبدى استحسانه لمشروع حملة أعده الفارس پول. وليس من المستبعد أن لويس الرابع عشر، خلال مقامه في طولون، استحث فرسان مالطة الذين كانت أغلبيتهم من الفرنسيين على مهاجمة القراصنة البربر؛ فالملاحظ أنه منذ ذلك الوقت تحديداً كثف الفرسان من نشاطهم ضد طائفة الريس. وعلى إثر الخسائر التي كبدها الفرنسيون تحت غطاء فرسان مالطة للجزائريين قرب سواحل فرنسا وإسپانيا، أضحت السفن الجزائرية تتفادى الخروج إلى البحر منفردة كما عُنف القنصل الفرنسي بارو في مجلس الديوان.
وبحلول صيف 1660، كلف الفارس پول، على رأس خمسة عشر سفينة، بمهمة القيام بحملة ضد "أوكار القراصنة" في شمال أفريقيا للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين. وبعد مروره بطرابلس ثم حلق الوادي في يوليو، حيث استجيب لمجمل مطالبه، اقترب پول من سواحل الجزائر في الأيام الأخيرة من أغسطس. ولقد حاول الهجوم بغتة على ميناء الجزائر وإضرام النار في السفن الراسية فيه، لكن الجزائريين كانوا على علم مسبق بقدوم العمارة الفرنسية واتخذوا كامل احتياطاتهم. لذا، قفل الفارس پول راجعاً إلى طولون دون أن يحقق مرماه.
إنگلترة
أما بخصوص إنگلترة، فإن تمويه أعلام السفن لصالح دول أجنبية الذي مارسته إدارة كرومويل على نطاق واسع، أثار سخط طائفة الريس ودفع الديوان إلى توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى حاكم إنگلترة المذكور. ولقد اشتكى القنصل براوني من تهديدات الجزائريين له وما أبدوه من "تصرف فظ وصارم" تجاه رعاياه. وفي نهاية 1659، تفادياً لحدوث قطيعة بين البلدين، أصدرت تعليمات إلى اللورد وينشلسي، سفير إنگلترة الجديد لدى إسطنبول، ليعرج إلى الجزائر تمهيداً لعقد معاهدة سلام. لكن المحادثات لم تسفر عن نتيجة تُذكر. فقد طالب خليل أغا بأن تفتح الموانئ الإنگليزية للسفن الجزائرية، والأهم أن يُسمح للرياس بتفتيش حمولات السفن التجارية الإنگليزية. وبناء على ذلك، كان الجزائريون يسعون إلى ضمان حياد تام لإنگلترة في الحرب طويلة الأمد التي كانوا يخوضونها ضد الإمبراطورية الإسبانية، عدوتهم اللدود.
وقبل ذهابه، أذن وينشلسي للقنصل الإنگليزي بمواصلة المحادثات، ونصحه بإلهاء الجزائريين "بمواعد كاذبة لتركهم يأملون ختاماً [مناسباً]". وهكذا استمرت المحادثات عدة شهور بدون جدوى.
مع الأقاليم المتحدة
أما الأقاليم المتحدة فكانت في حالة حرب مع الجزائر منذ حملة الأميرال دي رويتر عام 1655. وخلال الفترة 1656-1661، تمكن الرياس من مطاردة وأسر خمسة وثلاثين سفينة تجارية هولندية؛ لكنهم تكبدوا أيضاً من جهتهم خسائر ليست بقليلة. ففي 1660، فقد الجزائريون في مضيق جبل طارق ثلاثة سفن كبيرة كان على متنها نحو 900 رجل، ضبطوا من طرف قائد العمارة يان فان كامپ.
الأوضاع الداخلية
لم تكن الأحوال على الصعيد الداخلي بأحسن منها على الصعيد الخارجي. وقد تميزت خاصة بعودة الاضطرابات بشرق البلاد، حيث امتنعت العديد من القبائل في بايليك قسنطينة عن دفع الضرائب بحجة أن تخريب الباستيون من طرف توماس پيكه حرمها من الدخل الذي كانت تجنيه من التجارة مع الفرنسيين. وفي بلاد القبائل، وسع أمير كوكو أحمد بن أحمد المدعو بختوش نفوذه إنطلاقاً من تامغوت، وتمكن من بسط سلطته على عدد من المناطق الساحلية بين بجاية وأعالي سباو؛ وللتصدي له اعتمد العثمانيون على زعيم قبيلة قشتولة، الشيخ قاسم بن محمد، في غرب جرجرة.
وبالرغم من كل هذه المتاعب، فقد تمكن خليل أغا بفضل إدارة المالية المحسنة من جعل الديوان يُجدد عهدته عامأً آخر. غير أنه تعرض للاغتيال في بداية أكتوبر 1660، ويذكر صاحب "مرآة الصدقة المسيحية" بهذا الصدد أن الحاكم "قُتل مع نهاية الصيف في زقاق بمدينة الجزائر على يد قاتلين وُضعا ليترصداه من طرف بعض الكبراء في الدولة، الذين استصدر خليل أغا أمراً مجحفاً في حقهم باسم الديوان".
رمضان أغا
مقالة مفصلة: رمضان أغا
في يوم مقتل خليل أغا، أُسندت الأغوية إلى ابن عمته رمضان البلقباشي، المعرف أيضاً باسم يورك رمضان. ولتوطيد سلطته، قام رمضان فور اعتلائه الحكم بتوزيع الأعاطيات على الجنود الإنكشارية، وبذلك استحق في نظرهم لقب بابا رمضان. وفي عهد رمضان، تعاظم نفوذ الأغوات المعزولين، من أعضاء مجلسه، الذين تقاسموا فيما بينهم مختلف المناصب العليا في الدولة؛ وإذ ذاك بدأت تتشكل في ما يمكن تسميتها بالمناصب الوزارية على نفس النحو تقريباً الذي بقيت عليه خلال عصر الدايات. وبينما كان سلفه يمكث تحت رواق قصر الجنينة حيث يجتمع الديوان عادة، كان الأغا الجديد يفضل غالب الأحيان عقد مجلسه حكمه في وسط البادستان، وهي السوق التي كانت تباع فيها الغنائم. ولعل ذلك مؤشراً عن الاهتمام الذي أبداه رمضان أغا منذ الوهلة الأولى فيما يخص نشاط الغزو البحري.[12]
علاقاته الخارجية
مع الباب العالي
لقد أبدى عدد متزايد من الجزائريين، وبالأخص من الأتراك، استياءه مما آلت إليه العلاقات مع الدولة العثمانية من قطيعة وحصار؛ ولذا، حاول رمضان أغا إعادة الأمور إلى نصابها مع الباب العالي، وقام بإرسال وفد آخر خلال شتاء 1661 لطلب الشفاعة من السلطان ولتجديد الولاء له. ولما حظي أعضاء هذا الوفد بمقابلة السلطان، اشتكوا له وضع البلاد وأقروا: "لو أرسلت لنا كلباً لقبلناه باشا علينا"؛ ولكن الأمر كله كان بيد محمد پاشا كوپريلي الذي لم يسمع لهم ولم يقبل استشفاعهم. وهكذا، لم يملك الوفد الجزائري من خيار سوى الانتظار بصبر أن يلين موقف الصدر الأعظم.
مع فرنسا
من جهة أخرى، كانت طائفة الرياس عموماً غير راضية عن سياسة المسالمة التي انتهجها خليل أغا خاصة بعد حملة الفرنسيين الأخيرة على الجزائر. إلا أن رمضان أغا استطاع كبح جماح الرياس سعياً منه إلى تسوية مشكلة الباستيون وتطبيع العلاقات مع فرنسا. في بداية 1661، أوفد الوزير مازران إلى الجزائر أحد مقربيه، پيير دي رومينياك، لإرجاع باقي الأسرى الجزائريين الذين بيعوا في ليفورنة، والتفاوض بشأن إعادة فتح المنشآت التجارية الفرنسية. وبعد مفاوضات دامت شهر تقريباً، توصل دي رومينياك إلى عقد اتفاق مع السلطات الجزائرية. غير أن الملك لويس الرابع عشر رفض المصادقة على هذه المعاهدة، لأنه "كانت لديه نوايا أخرى ضد الجزائر". وكانت هذه النوايا عدائية محضة تنم بالدرجة الأولى عن الروح الصليبية التي هبت على أوروپا المسيحية آنذاك في إطار الحرب ضد العثمانيين في المشرق وضد "القراصنة البربر" في المغرب.
لم تحقق حملة الفارس پول الثانية التي استمرت من مارس إلى سبتمبر أي نتيجة تذكر. وذلك في حين كان النائب الرسولي فيليپ لو ڤاشيه يلح من الجزائر على قدوم عمارة حتى ميناء المدينة لتعطي الجزائريين "فكرة عن عظمة الملك ومآربه". لكن لم يسمح عدد القطع البحرية الملكية في ذلك الوقت ببلوغ مستوى طموحات الملك، لذا تمثل الجهد الحربي حيال الجزائر بشكل أساسي في تصعيد عمليات القرصنة التي كان يقودها الفرسان الفرنسيون المنتسبون إلى فرسان مالطة، حيث قام هؤلاء بقيادة الفارس دي فالبل بمهاجمة السواحل، وأسر حوالي خمسمائة شخص، أما الكونت دي ڤيرو فقد كمن في شهر مايو بإحدى الخلجان الصغيرة القريبة من الجزائر، وتمكن من الاستلاء على مركب كان على متنه عدد من أعيان المدينة.
وعلى إثر هذا الحدث، أمر رمضان أغا ببناء برج رأس تافورة الاستراتيجي قرب باب عزون وبرج أصغر بمرسى الذبان، كما قام في وقت لاحق بترميم برج تامنفوست الذي يشرف على خليج الجزائر من جهة بغية تعزيز دفاعات المدينة. لم يبقى الرياس الجزائريون مكتوفي الأيدي أمام هذه الهجمات المتكررة، بل قاموا بالخروج في شهر يوليو في عمارة أغارت بقوة على المناطق القريبة من مارسيليا، وغنمت الكثير من الأسرى. وإزاء ذلك، اتجه رد الفعل الفرنسي إلى التخطيط لحملة عسكرية كبيرة بقصد احتلال موقع ساحلي بين بجاية وطبرقة، تم تكليف المهندس العسكري دي كالرڤيل بمهمة التعرف على أمثل نقطة لموطئ قدم دائم.
إنگلترة
وفيما يخص الطرف الإنگليزي، فإن الديوان ضاق ذرعاً من طول المداولات التي بدأت نهاية السنة الماضية؛ لذلك، استدعى رمضان أغا القنصل براوني وأخبره أنه، في انتظار التوصل إلى اتفاق بين البلدين، سيسمح للرياس بتفتيش جميع السفن التجارية بما فيها الإنگليزية وإحضار تلك التي تنقل ركاب أو بضائع دول معادية. وبالفعل، ففي ظرف بضعة أسابيع، قام الجزائريون بجلب خمسة سفن إنگليزية، ثلاثة منها كانت تحمل جنوداً فرنسيين إلى الپرتغال. وقد بلغ عدد السفن التي اقتيدت إلى الجزائر، خلال خريف 1660 وحده، حوالي إثنا عشر سفينة إنگليزية، تسعة هولندية، وإثنى عشر فرنسية أو إيطالية. هذا التجدد في النشاط البحري جعل أحد الأوروپيين المعاصرين يقول عن الجزائر أن "بالرغم من كونها مدينة واحدة"، فقد كانت في حرب مع العالم أجمع. وفي ظل هذه الظروف، أذعن القنصل الإنگليزي لمطالب الجزائريين في المعاهدة التي أبرمها في ديسمبر 1660. إلا أن هذه المعاهدة رفضت لندن المصادقة عليها كونها أقرت بحق تفتيش حمولات السفن ومصادرة الأملاك المشحونة العائدة لأعداء، وذلك على رغم تعهد الجزائريين بدفع ضعف أجرة شحن السلع المصادرة كتعويض للقباطنة الإنگليز.
وللضغط على الجزائريين وحملهم على التراجع، قررت إنگلترا إرسال قوة بحرية بقيادة الأميرال إدوارد مونتاگو، كونت دي ساندوتش إلى المنطقة وفاتحت هولندا بفكرة القيام بعمل مشترك؛ لكن الهولنديين لن يستجيبوا لتلك المبادرة. رسى الأسطول الإنگليزي المؤلف من حوالي عشرين سفينة كبيرة في الأيام الأخيرة من يوليو 1661 قبالة خليج الجزائر. وبعث مونتاگو موفده إلى البحر بعلم الأغا والديوان بعدم قبول الملك شارل الثاني لمعاهدة الصلح وبضرورة إعادة النظر في بعض بنودها. لكن المداولات التي استمرت أياماً وصلت إلى طريق مسدود، بسبب تمسك رمضان أغا بنص المعاهدة الأخيرة. عندها قرر الأميرال قصف المدينة معلناً الحرب، فردت عليه مدفعية الأبراج بشدة واضطرته إلى الانسحاب بعد أن تضرر عدد من قطع أسطوله. وترك الأميرال مونتاگو وراءه عمارة بيد نائبه، السير لاوسون، ليواصل بها الحرب ضد الجزائريين، وقفل راجعاً إلى بلاده.
مع الأقاليم المتحدة
في صيف 1661، أرسلت الأقاليم المتحدة الأميرال ميخيل دى رويتر مرة أخرى إلى الحوض الغربي للمتوسط في مهمة مماثلة للتي أُوكل بها مونتاگو. وعندما بلغ دى رويتر ميناء قادس الإسپاني مع نهاية أغسطس 1660، صادف هناك وجود الأسطول الإنگليزي المتضرر العائد من الجزائر. ولم يحفز ذلك الأميرال الهولندي على المضي قدماً، بل قرر التموقع بسفنه الثماني عشر في مضيق جبل طارق. فقد كانت نيته اعتراض أكبر عدد ممكن من سفن القرصنة الجزائرية، ومن ثم التوجه إلى الجزائر وهو في موضع قوة. لكن بالمقارنة مع حملة 1655، كانت الحصيلة مخيبة فعلاً: سفينتين فقط مع ما مجموعه 180 أسير بيع معظمهم، رغم تعليماته في مايورقة.
الأوضاع الداخلية
وهكذا، نرى أن في عهد رمضان أغا، انضمت إلى سرب الدول المعادية للجزائر كل من فرنسا وإنگلترة، وأصبحت الإيالة في موقع حرج كانت في غني عنه بالنظر إلى الأوضاع الداخلية العصيبة التي كانت تمر بها. فقد عرف عام 1661، بالموازاة مع تواصل ثورات بايليك الشرق، بداية جفاف شديد شمل جميع مناطق البلاد. وهذا القحط الذي دام نحو سنتين، أتى على قسم كبير من المحاصيل والمواشي، مؤدياً بذلك إلى انتشار مجاعة مروعة. كان تمحصلة الجفاف والمجاعة والاضطرابات التي ترافهما دوماً حدوث تراجع ذريع في النشاطات الاقتصادية للإيالة، ترتب عنه نضوب الموارد الجبائية التي كانت القسم الأكبر منها عبارة عن ضرائب عينية. وهذا ما دفع رمضان أغا بحكم الضرورة إلى تشجيع الغزو البحري لأقصى حد، عله يعوض بإيراداته جزء من العجز المالي. ولما ساؤت الأمور أكثر، لم يجد رمضان أغا بدأً هو وأعضاء مجلسه من التحكم بسوق البادستان، حيث كانوا يشترون الغنائم بأسعار جد منخفضة. وهذا ما أثار حنق أفراد طائفة الريس والإنكشارية المساهمين معهم على السواء الذين رأوا في تصرفات الطغمة الحاكمة عبئاً لهم في حقهم، فأضمروا لهم السوء.
ولهذا السبب، ثار الإنكشارية ضد رمضان أغا، وقتلوه مع مقربيه في وسط البادستان، في 10 سبتمبر 1661. وحسب رواية إمانويل دارندا فإن رمضان أغا "ذُبح هو و28 شخصاً من مجلسه، ورميت جثتهم في الأزقة للكلاب، وذلك لأنه تملك بواسطة أفراد من مجلسه قسماً من غنيمة قمح أكبر من الحق الذي يتعين له. في حين اضطر باقي أعضاء مجلسه إلى النجاة بأنفسهم إلى المرسى، حيث استولوا بالقوة على قارب صيد، ابتعدوا به عن البر، وعن هيجان الجنود الصاخبين، ليقعوا في قبضة المالطيين".
شعبان أغا
مقالة مفصلة: شعبان أغا
بعد المقتلة التي راح ضحيتها رمضان أغا، جد أغضاء الديوان في انتخاب حاكم جديد للبلاد، ووقع اختيارهم على معزول أغا يدعى شعبان؛ والجدير بالذكر أنه لم يكن تركياً، بل علجاً پرتغالي الاصل. أما عن الأسباب التي كانت وراء اختياره، فيذكر دارندا أنه كان "يقدر عند الأتراك والنصارى كرجل طيب، عادل وحكيم، والحق يقال، كان الرجل يتمتع أيضاً بالعديد من المزايا الأخلاقية". وذلك فضلاً عن كونه غنياً جداً كسب أموالاً طائلة من قيادته لمحلات الجباية ومشاركته في حملات الغزو البحري.
وبعد وقت قصير من انتخابه، تعرض شعبان أغا لمحاولة اغتيال تبين أنها من تدبير إبراهيم باشا، فقام الديوان بخلع هذا الأخير من منصبه، ووضع في محسب ضيق. ولم يكن شعبان ينتهي من هذا الامر حتى طرأ آخر أهم، فقد كان محمد جلبي بن يوسف، نسيب محمد باي قسنطينة، ممن قُتلوا خلال الثورة وصودرت أملاكهم، وأثار ذلك حفيظة الباي خاصة وأن الأغا أحجم عن متابعة المتورطين؛ وازداد الشقاق أكثر بين قسنطينة والسلطة المركزية في الجزائر، بعدما خالف الباي محمد بن فرحات تعليمات الديوان، و"عقد اتفاقاً مع برجوازي من هذه المدينة (يعني مارسليا)، يدعى السيد ستارس ليمنحه كافة التسهيلات لإقامة، رغماً عن الأتراك، تجارة وإسكلة في مرفأ سطورة، مقابل بعض الأتاوة السنوية". وعلى الرغم من جهلنا لمجمل التفاصيل، فإن خطورة هذا الخلاف، الذي سوي بطريقة أو بأخرى خلال السنة التالية، تكمن في حدوثه في ظرف جد حرج من تاريخ الإيالة.
علاقاته الخارجية
مع الباب العالي
في غضون ذلك، كانت الأخبار الواردة من الموفدين إلى إسطنبول تبشر بانفراج قريب، عقب وفاة محمد پاشا كوپريلي، وتوليه نجله فاضل منصب الصدر الأعظم خلفاً لوالده في آخر أكتوبر 1661. قام الجزائريون بالاتصال بقرة مصطفى پاشا، أحد وزراء الديوان الهمايوني، وحملوه هدايا ثمينة ليتوسط لهم لدى الصدر الأعظم. فعفا هذا الأخير بعد أن تعهدوا له بأن أوجاق الجزائر يسلتزموا بأوامره، كما أبدى استعداده لإرسال أمير أمراء جديد للجزائر عام 1662. بيد أن تغير موقف الباب العالي لم يكن راجع أساساً إلى الهدايا والعشرة آلاف سكة ذهبية التي وزعها الوفد، بل إلى الهزائم البحرية التي تكبدها الأسطول العثماني حينها أمام البنادقة في بحر إيجة، والتي أبرزت الحاجة إلى الإستعانة بالقوة البحرية الجزائرية المتمرسة في مواجهة البندقية وحلفائها.
وبناء على ذلك، ولى السلطان القاپجي بوشناق إسماعيل پاشا بن خليل في منصب إمرة الأمراء على الجزائر. ولقد اصطحب الوفد الوالي الجديد في طريق العودة حيث وصلوا إلى الجزائر في 6 مايو 1662، أي بعد مرور ثلاث سنوات تقريباً على بدء الانقلاب. استقبل إسماعيل بصفته ممثل السلطان ببالغ الحفاوة والاحترام من طرف الجزائريين، ورتبت لإقامته غرفق وأجنحة بقصر الجنينة. وكما جرى الاتفاق عليه قبلاً، أجرى له الديوان راتباً وتكفل بجميع نفقات ومؤن أهل بيته وخاصته، شرط أن لا يتدخل في شؤون الدولة ولا يخرج إلى بترخيص من الديوان. وفيما يخص صلاحياته الإدارية، ذكر ابن المفتي أن "الپاشا أبقى على رأس حكومة المدينة ومقاطعتها (دار السلطان؟) فقط".
ومما يؤثر عن إسماعيل پاشا أنه شفع لسلفه إبراهيم لدى الديوان، فأطلقوا سراحه إكراماً له ومنح راتب معزول أغا. حمل إسماعيل معه أمراً سلطانياً بإرسال عمارة لدعم الجهد الحربي العثماني في جزيرة كريت، وبالفعل توجهت بعض السفن الجزائرية إلى المشرف عام 1662، ورغم كون الإيالة في حالة حرب مفتوحة مع عدة دول أوروپية، وعلى الرغم من غرق إحدى عشر سفينة وتسعة غنائم في الميناء شتاء تلك السنة بفعل زلزال بحري أحدث موجات مد عاتية حطمت المول. وهذا إن دل على شيء، فيدل على مبادرة الجزائريين لإبداء الولاء وحسن النية وبدء صفحة جديدة من العلاقات مع الدولة العثمانية. وفي عام 1664، أرسل الجزائريون أيضاً عمارة كبيرة إلى بحر اليونان، حيث قامت باعتراض عدة مراكب راجعة من وإلى البندقية.
فرنسا
فيما يخص العلاقات مع الأمم الأوروپية، استقر رأي الجزائريين على "عدم جدوى عقد معاهدات مع النصارى"، في ظل رفض أولي الأمر منهم آخر المطاف المصادقة عليها وجنوحهم دوماً إلى قوة السلاح لفرض شروطهم للسلم على الإيالة؛ إلا أنهم خشية قيام تحالف مسيحي ضد الجزائر، التمسوا من الباب العالي يد العون، لكن الدولة العثمانية المنشغلة في الحرب على أكثر من جبهة، لم يكن بوسعها ذلك. ومن بين الدول الأوروپية، كانت فرنسا بلا ريب صاحبة المخططات والعمليات الأكثر عدوانية تجاه الجزائر، وذلك من دون أن تعلن الحرب حقيقة عليها. فقد استولى الدوق دى بوفور، خلال ربيع 1662، على عشرين مركباً أغلبها صغيرة الحجم؛ وعلى إثر ذلك، غزا أسطول جزائري يضم 18 سفينة جزر هيير قرب طولون، ومن ثم قام بعدة عمليات إنزال بنواحي مارسليا. وفي ربيع 1663، قام الفارس پول بالاستيلاء على عدد من المراكب قرب السواحل الجزائرية، غير أن عملية الإنزال ليلاً ومحاولته احتلال القل باءت بالفشل بسبب تفطن الأهلي والحامية التركية لها.
وبعد ذلك، ضم پول سفنه إلى عمارة الدوق دى بوفور، وحاول معه في شهر أغسطس مهاجمة ميناء الجزائر واضرام النار في أسطول الرياس؛ لكن ما حدث هو أن الأسطول الفرنسي الذي كان من المفروض عند منتصف الليل أن يكون إزاء المدينة، تواجد قبل طلوع الفجر على بعد ميلين غربه؛ فانكشف أمر الأسطول وبذلك فشل هذا الهجوم أيضاً. سبق وأشرنا أنه، في خريف 1661، قام الفارس لدي كليرڤيل سراً باستطلاع الساحل الشرقي على متن سفينة تجارية، وكانت مهمته تقضي بإيجاد أفضل منطقة يمكن اقتراحها كنطقة احتلال. وفي يونيو 1662، أشار الفارس المذكور في تقريره لكولبير إلى تفضيله خليج سطورة؛ لكن المجلس الملكي بعد أن تردد بين عنابة وسطورة، وبجاية، اختار آخر الأمر موقف جيجل بدلاً عنها متبعاً في ذلك رأي بوفور.
ولقد كان الفرنسيون يعولون الكثير على ثورة منطقة القبائل أولاً، التي أملوا أن ستصد عنهم الأتراك؛ وثانياً على ما ألحقه وباء الطاعون الفتاك من خسائر بشرية جسيمة بالبلاد. وهكذا، ابتدأت الإستعدادات مع نهاية 1663 لشن حملة على جيجل؛ وفي مارس 1664، شرعت فرق الجيش وقطع الأسطول الفرنسي في التجمع بطولون. وكان لويس الرابع عشر قد تجاهل في غضون ذلك عروش تسوية تقدم بها الجزائريون الذين كانوا أغلب الظن على دراية بالحملة التي تعد ضدهم.
بالنسبة للجانب الإنگليزي، واصل أسطول مونتاگو مطاردته للسفن "البربرية"، وانضمت إليه في بداية 1662 عمارة جنوية بقيادة سنتريون؛ وعندما كان قبالة سواحل تونس، وصل الأميرال الإنگليزي خبر مفاده أن "الجزائر دمرت بفعل عاصفة هائلة، وأن الكثير من سفن القراصنة غرقت قرب المول"، فقرر اغتنام الفرصة النادرة لتحطيم شوكة الجزائريين. لذا، هاجم الإنجليز مدينة بجاية وقصفوها في 1 و2 أبريل؛ وبعد أن استولوا على أربع من سفن الرياس في ظرف ثلاثة أيام، دفعوا ببقية السفن أمامهم لإلجائها إلى ميناء الجزائر حيث كانوا على علم بوجود الأسطول الهولندي هناك. كان الأميرال الإنگليزي مونتاگو يعتقد أنه بذلك سيضع الرياس بين نارين. لكن لم يرعه إلا والسفن الجزائرية تدخل الميناء بكل أمان. لأن شعبان أغا كان قد عقد في أثناء ذلك اتفاق هدنة مدته ثمانية أشهر مع الأميرال الهولندي دى رويتر.
بعد حصار غير فعال دام أياماً، وجد الأميرال الإنگليزي نفسه مضطراً إلى مهادنة شعبان أغا، فتوصل معه قائد العمارة جون لاوسون في 23 أبريل إلى اتفاق مبدئي، استكمل في الثاني من مايو ببند يلمح أكثر مما يقر بإمكانية مصادرة سلع الأعداء على متن السفن التجارية الإنگليزية، كما نص هذا البند الأخير على استخدام سفن الطرفين لجوازات مختومة لكي يتم عند التفتيش التأكد من هويتها.
وفي 29 أكتوبر من نفس السنة، عاد لاوسون من جديد ومعه القنصل روبرت براوني إلى الجزائر؛ وفي 10 نوفمبر، عقد مع شعبان أغا معاهدة سلام وفق البنود التي سبق الاتفاق عليها، وأرسلت نسخ من المعاهدة إلى إسطنبول ولندن ليتم الإطلاع والمصادقة عليها. عقب وصول المبعوث الفرنسي ريكو في بداية سبتمبر 1663، على متن السفينة التي حملت تصديق الباب العالي على المعاهدة، حمله الجزائريون رسالة إلى الملك شارل شددوا فيها على ضرورة تطبيق نظام الجوازات على جميع السفن الإنگليزية وانتظارهم رداً سريعاً على ذلك، وأنهم، في حالة العكس، سيقومون بحجز ما يعود للأعداء بدل تعويض مناسب. ومع أن المجلس الملكي الخاص قرر بعد تسلمه الرسالة في 29 سبتمبر اتخاذ بعض التدابير قصد تعميم الجوازات، غير أنه تجاهل طلب الرد، وعوضاً عن ذلك، أرسل لاوسون على رأس عمارة لحماية السفن التجارية في البحر المتوسط.
وكانت القطرة التي أفاضت الكأس هي اختطاف الهولنديين لمائة وخمسين راكباً جزائرياً كانوا على متن سفينة إنگليزية؛ وقد استنكر الديوان تلك الحادثة وعزم على المضي في تهديده، فأجاز في نهاية 1663 للرياس احتجاز السفن الإنگليزية التي لا تحمل جوازاً مناسباً، كما فرض الرقابة على القنصل الإنگليزي خشية أن يتمكن من الفرار. وبذلك، عاد التوتر من جديد إلى العلاقات بين الجزائر ولندن.
مع الأقاليم المتحدة
بعد أن تمكن من أسر عدد من أفراد طاقم سفينة جزائرية بخليج تونس، توجه الأميرال دى رويتر إلى الجزائر حيث وصل في 22 مارس 1662. وبدأت المحادثات بشأن الصلح بالموازاة مع عملية تبادل الأسرى، بين شعبان أغا ومفاوض الهولنديين، جلبرت دي فيانن اللذان توصلا في 26 مارس إلى اتفاق هدنة مدتها ثمانية أشهر. وكان أحد أهم بنود الغتفاق المؤقت يعطي الحق للجزائريين بتفتيش السفن التجارية الهولندية واحتجاز السلع والركاب التابعين لدول معادية مع تعويض أجرة النقل. وقبل ذهابه، كلف دى رويتر أندريس فان در برگ، قائد الجند على متن إحدى سفنه، بتولي منصب القنصلية وكلفه بتعداد الأسرى الهولنديين الموجودين في المدينة.
رفضت الأقاليم المتحدة إتفاق دى رويتر المبرم مع الجزائر، بشكل أساسي بسبب البند المتعلق بحق التفتيش، والتي رأت فيه ضرراً بمصالحها التجارية مع دول مثل إسپانيا والمدن الإيطالية لذا، عاد الأمير الهولندي في 6 يوليو إلى الجزائر ليشرح موقف بلاده الرافض. ولقد استرضاه شعبان أغا مع ذلك ووعده أنه، حتى إنتهاء المهلة، لن يصادر الجزائريون شيئاً. وفي نوفمبر 1662، أبرم شعبان أغا معاهدة سلام مع دى رويتر بتلك التي أقامها مؤخراً مع الإنگليزي لاسون. وكان أعضاء الديوان قد أبدوا معارضتهم بادئ الأمر لإتفاق مع الأقاليم المتحدة، إلا أن شعبان تمكن من إقناعهم على العدول عن رأيهم، بعد أن تعهد له الطرف الهولندي بإعداء أربعة مدافع برونزية وافتداء جميع الذين أسروا على متن السفن الهولندية وفق السعر الأول الذين بيعوا به في السوق، وذلك قبل فبراير 1664 كحد أقصى. لكن استبطأ الجزائريون وصول الفدية وآخذوا القنصل فان در برگ على ذلك، خصوصاً بعد وفاة أكثر من مائة أسير من الطعاون خلال الأشهر الأولى من 1663. وقد أجبر شعبان أغا في شهر أبريل على المساح للرياس بتفتيش حمولات السفن التجارية الهولندية ومصادرة بضائع الأعداء طالما لم تحضر المدافع والفدية الموعودة.
في غضون ذلك، أرسلت الأقاليم المتحدة عمارة بقيادة كورنليس ترومپ إلى البحر المتوسط، حيث استولى على غنيمتين جزائريتين، وقام بخطف 150 راكباً جزائرياً من سفينة إنگليزية؛ وفي يناير 1664، أسر سفينتين مجموع طاقمهما 272 بحاراً بيع معظمهم للإسپ. ولما علم الجزائريون بتصرفات ترومپ، رموا القنصل في السجن أياماً ثم أطلقوا سراحه، ووُضع منزله تحت حراسة عشرة إنكشاريين لحمايته؛ كما أعلن الديوان أن بحارة السفن الهولندية المحتجزة سيشاركون مصير الجزائريين الذين أسرهم ترومپ.
الأوضاع الداخلية
على المستوى الداخلي، عرفت البلاد خلال تلك السنوات كارثة إنسانية حقيقية بسبب وباء الطاعون والمجاعة الناتجة عن تخالف غزو الجراد والجفاف عليها، ومما زاد الوضع مأساوية انتشار ما يمكن وصفه بالفوضى وعدم الأمان في عدة مناطق: ففي الناحية الغربية، كثف الإسپان بمساعدة المغطسين وحلفائهم من الأعراب من غاراتهم ضد الأقوام والقبائل التي أضعفتها المسبغة، وتمكنوا من أسر عدد كبير من الأهالي، ناهيك عن مئات آخرين التجأوا إلى وهران اضطراراً مفضلين فقد حريتهم على التضور جوعاً حتى الموت. كان هؤلاء الأسرى يرسلوا سريعاً إلى إسپانيا حيث كانوا يعاملون كأرقاء معاملة سيئة ويمنعون من اتباع شعائرهم الدينية، بل والكثير منهم أجبروا على اعتناق المسيحية قسراً. وحينما وصل خبرهم إلى الجزائر صيف تلك السنة، قرر الديوان معاملة الأسرى الإسپان بالمثل، فحلقت رؤوسهم ولحاهم وأُجبروا على العمل في أشق الأعمال طيلة أسابيع، كما أُغلقت كنائس السجون بعدما طالها بعض التخريب على يد العوام.
كما قام الأتراك، أمام هذا الوضع، بتسيير حملة هجومية بقيادة قائد تلمسان عمر أغا في 1662 لمعاقبة محالفي الإسپان والإغارة على أراضيهم المجاورة لوهران، وفي إحدى هجماتهم جرح حاكم وهران، المركيز دي لگانس في وجهه. أما من الناحية الشرقية، فلم تكن الأوضاع أحسن حالاً في ظل تواصل ثورة العديد من القبائل والعشائر في الشمال الشرقي من البلاد، لاسيما منطقة القبائل التي شهدت أشد المواجهات ضد الأتراك؛ وبلغ الصراع ذروته حسب بعض المصادر في أكتوبر 1662، عندما خطط القبائليون للتسلل إلى مدينة الجزائر والقيام بتمرد شبيه بالذي قام به الكولاوغلي في 1663، وذلك بمساعدة عدد من البرانية والأسرى المسيحيين. لكن الأتراك اكتشفوا أمر هذا المخطط وأعدموا بعض المتورطين فيه بعد أن عذبوهم.
وقد خفف حدة الصراع كثيراً في 1664 ليس لسبب إلى لتفشي وباء الطاعون في جميع المناطق، وعرف هذا الوباء من شدة فتكته باسم "الحبوب القوية"، وقدر أنه أدى في مدينة الجزائر وحدها إلى وفاة أكثر من عشرة آلاف أسير مسيحي وعدد أكبر من السكان. وفي هذا الصدد، تؤكد مذكرة فرنسية تعود إلى 1664 أن المدينة لم يعد بها إلا "4.000 موقد تقريباً و25 إلى 30.000 ساكن على الأكثر في الوقت الحاضر، كون الطاعون قتل العام الفائت أزيد من 60.000 وعدداً أكبر بكثير في ضواحي المدينة، بحيث أن البلاد بيت كأنها مقفار".
نستخلص من قراءة متأنية لتوالي الأحداث بأن شعبان أغا واجه أواخر حكمه ظروفاً صعبة، فقد استاءت الأوساط المتنفذة كثيراً من السياسة الخارجية التي انتهجها مع إنگلترة والأقاليم المتحدة، واعتبروها تصب ضد مصالح البلاد، وذلك لعدم احترام الدول المذكورة لالتزامها فيما يتعلق بالجوازات وفدية الأسرى، علاوة على تناقص غنائم الرياس بسبب حالة السلم معها؛ ويمكن إضافة إلى ما سبق الآثار الكارثية التي خلفتها "الحبوب القوية" على المستويين البشري والاقتصادي، والتي شكلت بلا شك عبئاً إضافياً على كاهل الحاكم. وبالرغم من الغموض الذي يكتنف ظروف وفاة شعبان أغا، فالأكيد هو أن قُتل في الأشهر الأولى من 1665، حسب ما تفيد به المصادر الهولندية. وبالنسبة للسبب فالسؤال يبقى مطروحاً: هل كان لمقتله علاقة بتأخر الفدية التي وعد بها دى رويتر في شهر فبراير من تلك السنة؟ أم كان ذلك بسبب الاستعدادات الحربية التي كانت تعدها فرنسا إذ ذاك لمهاجمة البلاد؟ أم لسبب آخر نجهله؟
علي أغا
مقالة مفصلة: علي أغا

بعد مقتل شعبان أغا، أُسند الحكم إلى معزول أغا اسمه الحاج علي، ومثل الأغوات الذين سبقوه، كان يتمتع باحترام ونفوذ كبيرين لدى الإنكشارية. ولقد وصفه الفارس دارفيو بقوله: أنه كان رجلاً نبيهاً وذا جدارة فريدة". ويذكر ابن المفتي في تقييداته أنه "عندما كلف الحاج علي أغا بالراتب، سلمت له في الوقت ذاته الإدارة العليا للبلاد. وكان الأول بالجزائر الذي حمل لقب "الحاكم" لأنه كان يتولى مقاليد الحكم بلا منازع، ولأن أوامره كانت نافذة. وهذا يدل على أنه كان أكثر حزماً في اتخاذ القرارات من سلفه شعبان أغا، الذي عُرف عنه انقياده حيال الديوان.
تجدر الإشارة إلى أنه عقب انتصاره الساحق على الفرنسيين بجيجيل في خريف 1664، اكتسب علي أغا قوة وهيبة مكنتاه بعد ذلك من إجراء إصلاحات إدارية هامة؛ وهذه الإصلاحات سعى من ورائها إلى تقوية سلطته واجتناب النهاية المفجعة التي لاقاها من سبقوه في الحكم؛ وقد ساهم التحسن المالي وحالة الرخاء الذي شهدته الجزائر بعد 1666 بشكل كبير في لجم أي اعتراض قد يتقدم به أعضاء الديوان إزاء سياساته الإصلاحية. وتمثلت الإصلاحات التي قام بها الحاج علي أغا في إلغاء آخر اختصاصات الوالي الإدارية وتنحية هيئة الأغوات المعزولين، كما عدل تشكيل الديوان الخاص الذي يترأسه بحيث صار يتكون أساساً من أصحاب المناصب الوزارية، والخوجات الأربعة الكبار، بالإضافة إلى نخبة مختارة من ضباط الأوجاق، وهم: أغا الإنكشارية، والكاهية، 24 آياباشي، و24 بلوكباشي، و24 أوضاباشي. أي ما يربو على ثمانين شخصاً؛ وحرص من جهة أخرى على توزيع المناصب الإدارية في الدولة على كبراء الأوجاق الموالين له.
إن هذا التطور الإداري واكب تقلصاً ملحوظاً لدور الديوان العام الذي بدأ يتحول منذ عهد علي أغا شيئاً فشيئاً إلى هيئة استشارية، حيث ضعفت على مر السنين صلاحياته في الإشراف والمراقبة على الجهاز التنفيذي الذي يترأسه الحاكم. وهكذا، بدأ يرتسم الجهاز الإداري والسياسي في الجزائر على الشكل النهائي الذي سيحافظ عليه إجمالا خلال عهد الدايات.
علاقاته الخارجية
الباب العالي
عام 1667، قرر الصدر الأعظم إتمام فتح جزيرة كريت التي استعصت قصبتها قانديا على العثمانيين قرابة عشرين سنة، فتوجه بنفسه لحصارها وأمر الإيالات الغربية بإرسال سفنها لتقوم بحماية السفن العثمانية الناقلة للعكسار والذخيرة. وبعد إكمال مهمتهم، دخل الرياس الجزائريون البحر الأدرياتي حيث أغارة على عدة مواقع ساحلية ونهبوها، وكانت لهم مواجهات مع البنادقة، خسروا خلالها بعضاً من سفنهم. وفي مايو 1668، بعث الباب العالي أمراً سلطانياً للديوان باستقدام عمارة بحرية، لكن الرياس ماطلوا في الخروج حتى ورد أمر آخر يستعجل مسيرهم؛ وفي بداية 1669، تحركت عشر غاليوطات من الجزائر وتونس للالتحاق بالأسطول العثماني. وفي تلك السنة، وضع العثمانيون بكل ثقلهم في المعركة وتمكنوا أخيراً من فتح قانديا، وكان الجزائريون في تعرضوا لخسائر معتبرة أثناء نقلهم الذخائر والأرزاق إليها، على يد البنادقة وحلفائهم الذين هبوا لنجدة المدينة المشرفة على السقوط. وفي طريق رجعتهم، هاجم الرياس السفن المبحرة والسواحل جنوب البحر الأدرياتي.
والملاحظ أنه بعد انتهاء حرب كريت، استمر الجزائريون في مهاجمة البنادقة انتقاماً لخسائرهم حتى سنة 1672، ولم يكفوا بعد ذلك إلى بعد طلبات متكررة من الباب العالي.
فرنسا
عندما انتهت كامل الاستعدادات، انطلقت الحملة الفرنسية على جيجل في بداية يوليو 1664 من ميناء طولون. وكانت هذه الحملة بقيادة الدوق دو بوفور، والقوات البرية التي ضمت 4.650 رجلاً بقيادة الكونت دي گادانيه، بالإضافة إلى كتيبة هولندية وأخرى إنگليزية والمئات من المتطوعين؛ أما الأسطول فقد تشكل من حوالي ثلاثة وستين قطعة بحرية. وصل الأسطول قبالة بجاية في 21 يوليو، بعد أن أرسى أياماً في جزر البليار حيث انضمت إليه سبعة قادرغات مالطية. تردد قادة الحملة في الهجوم على المدينة التي بدت شبه خالية بسبب فتك الطاعون بمعظم أهلها، ثم قرروا المضي إلى وجهتهم الأولى. وبلغت الحملة جيجل في 22 يوليو، وصباح اليوم التالي، بوشر بالإنزال شرقاً قرب أحد الجوامع، وقد قاوم الأهالي ببسالة كلفت الغزازة خسارة أربعمائة رجل. غير أن القوات الفرنسية تمكنت بدعم من مدفعية البوارج من احتلال البلدة التي هجرها أهلها، ورفعت الصليب فوق مئذنة المسجد إيذاناً بذلك. عسكر الفرنسيون في السهل الضيق الواقع بين البلدة والتلال المحيطة بها، وحاول قادتهم استمالة الأهالي، لكن هؤلاء أبوا واستمروا يناوشونهم ويغيرون على مواقعهم الأمامية من حين لآخر.
في غضون ذلك، جهز علي أغا محلة بلغ تعدادها ثلاثة آلاف إنكشاري وخمسمائة سپاهي، وسيرها إلى جيجل. واضطر الأتراك العثمانيون لشق طريقهم إلى استئذان القبائل الثائرة عليهم لتسمح لهم بالمرور عبر أراضيها؛ ولم تكتفي هذه القبائل بفتح الطريق، بل انضمت بنية الجهاد إلى المحلة التركية حتى صارت جيشاً قوامه من عشرة إلى اثنتا عشرة ألف مقاتل حسب الرواية الفرنسية بعدما التحقت به قوات باي قسنطينة. بلغ الجيش الجزائري جيجل في 1 أكتوبر وعسكر على مشارفها، وفجر اليوم الخامس، شن هجوماً عنيفاً على الحصن المتقدم غرب الخطوط الفرنسية الذي قتل قائدها وكاد يسقط لولا مسارعة دي بوفور ودي گادانيه لنجدته. وخسر الجزائريون في تلك المواجهة الدامية حوالي سبعمائة بين قتيل وجريح. وعلى إثرها، أرسل قائد الجيش في طلب قطع مدفعية كبيرة، وقوات إضافية من الجزائر، خصوصاً وأن الكثير من الأهالي انسحبوا لبذر أراضيهم. هذه المرة سير علي أغا الإمدادات شخصياً عن طريق البحر إلى بجاية ومنها أكمل المسير براً، وذلك بعد أن استخلف على الجزائر موسى أغا الذي كان على الأرجح كاهيته.
في 22 أكتوبر، رست بميناء جيجل سفن يقودها المركيز دي مارتل تحمل تعزيزات معتبرة رفعت عدد أفراد الحملة الفرنسية إلى نحو ثمانية ىلاف؛ ولقد جاء على متنها مبعوث بأمر من الملك يطلب من الدوق دي بوفور ترك القيادة لدي گادانيه ومواصلة الحرب ضد الجزائريين بحراً. وبعد يومين، وصلت قوات المدد بقيادة علي أغا، وبدأت في نصب البطاريات لمدافع الحصار التي تم إحضارها. جراء ذلك، عقد الفرنسيون مجلساً حربياً اقترح فيه دي بوفور على باقي الضباط القيام بهجوم شامل على المعسكر الجزائري، لكن هؤلاء رفضوا بحجة أن ذلك يخالف أوامر الملك. ومن ثم، غادر دي بوفور بأسطوله في 27 أكتوبر وتحرك باتجاه الشرق. في 29 أكتوبر، فتحت مدينة الجزائر نيرانها على تحصينات العدو فدكتها في ظرف أربع وعشرين ساعة فقط، وحطمت معها معنويات الفرنسيين بعد أن بدأت القذائف تطال معسكرهم ولم يجدوا مكاناً يلتجئون إليه، فصار الجنود يصيحون يأساً بأعلى أصواتهم بأنهم سيستسلمون للأتراك ويدخلون في دينهم. قررت القيادة عندها تنفيذ عملية الإنسحاب في 31 أكتوبر، وبدأ الإنسحاب فعلاً مع هبوط الليل، لكن الجزائريين، الذين فطنوا لما كان يجري في المعسكر الفرنسي، اكتسحوا الخطوط الفرنسية تؤازرهم نيران مدفعيتهم، فتحول الإنحساب إلى فرار مخزي حسب شهادة الكونت دي گادانيه نفسه.
وفي 1 نوفمبر، ابتعد الفرنسيون على متن سفن دي مارتل بعد أن خلفوا ورائهم نحو 1.400 قتيل على أرض المعركة وحوالي ستمائة أسير وكل مدفعيتهم ومعداتهم ومؤنهم، وسيقت هذه الغنائم والأسرى إلى الجزائر أواخر الشهر المذكور. لكن الخسائر الفرنسية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ حين وصلت السفن إلى طولون وجدت الطاعون متفشي فيها، فتحولت إلى جزر هيير حيث غرقت قريباً منها إحدى أكبر البوارج ومعها 1.2000 من خيرة رجال الحملة. لقد حرص لويس الرابع عشر على التقليل من وقع الهزيمة التي حاقت بجيشه مظهراً أن ذلك لم يؤثر في قواته تأثيراً كبيراً، وقد تبين ذلك في التعليمات التي أعطاها القائد للدوق دي بوفور بالخروج على رأس عمارة خلال الشتاء لمطاردة الرياس والعمل على الظهور ببعض البوارج أمام مدينة الجزائر "لكي لا يشعر الجزائريون بكونهم حققوا نصراً كبيراً". وهكذا، اضطرم الصراع في البحر بين الطرفين خلال سنة 1665 حيث قصف رصيف مدينة الجزائر في يومي 2 و27 مايو، من دون أن يصيبه ضرر كبير. وفي 27 يونيو، هاجم دي بوفور بعض السفن الجزائرية بحلق الوادي وأصاب ثلاثة منها؛ ثم في 24 أغسطس، هجم قبالة شرشال مجموعة سفن وتمكن من إحراق إثنتين والإستيلاء على ثلاثة أخرى.
من جهتهم، ألحق الرياس خسائر فادحة بالسفن والتجارة الفرنسية، وعقدوا تحالفاً مع قباطنة بوارج إنگليز ضد الفرنسيين مما مكنهم من الإستيلاء على أربعة سفن كبرى، بحيث كانت السفن والأسرى من نصيب الجزائريين وأما الحمولة وباقي المعدات فمن نصيب الإنگلي. في بداية عام 1666، أبدى ملك فرنسا رغبته في التوصل إلى تسوية مع الجزائر، لكي يتسنى له التفرغ لمسائل أهم على الصعيد الأوروپي؛ ولهذا الغرض، كلف المفوض العام للقوات البحرية تروبير بأن يتفاوض مع الجزائريين لإبرام اتفاق سلام. وكان الطريق قد مهده تاجر فرنسي يدعى جاك أرنو، الذي لعب دور مبعوث غير رسمي سعى لإقناع الحاكم علي أغا بوقف الحرب.
ولذلك، لم يجد تروبير صعوبة تذكر في الوصول إلى إتفاق مع علي أغا، رغم محاولة الإنگليز إفشال هذه المفاوضات؛ وانتهت حالة الحرب بين فرنسا والجزائر بإبرام معاهدة يوم 17 مايو 1666، التي أقرها وصادق عليها لويس الرابع عشر في 7 سبتمبر من نفس السنة. ونصت هذه المعاهدة على اعتماد الطرفين نظام الجوازات ودم جواز أسر رعايا وسفن الطرف الآخر، بالإضافة إلى إطلاق سراح أسرى البلدين بالتبادل أو الإفتداء. وبموجب هذا الإتفاق، تم تحرير 1.127 فرنسي من أسرى جيجل والمعارك البحرية وأزيد من 300 جزائري في غضون السنتين التاليتين، كما أعيد فتح منشآت الباستيون التجارية في أُسنتدت إدارها إلى السيد جاك أرنو لقاء مساهمته في محادثات السلام. وفي ربيع 1668، عاد التوتر بعض الشيء للعلاقات بين البلدين بسبب مشاركتهما في حرب كريت، حيث نشط الرياس الجزائريون ضمن الأسطول العثماني ودعمت فرنسا من جهتها الباندقة. وكانت النتيجة أسر الرياس لعدة سفن تجارية فرنسية كانت تحمل المؤن إلى قانديا.
اعتبر الفرنسين ذلك خرقاً للمعاهدة، وقاموا بإرسال المركيز دي مارتل في يونيو إلى الجزائر يطلب "تصليح الخطأ"، فوافق الديوان على طلبه حفظاً للسلم القائم وتم تسليمه السفن مع بحارتها. وفي ظرف مماثل، استولى الرياس في طريق عودتهم من الشرف عام 1669 على سفن يعود بعضها لتجار فرنسيين. وفي شهر أبريل، قدم الكونت دي ڤيڤون يطالب بمعاقبة الرياس المذنبين، فاستقبل هذا الأخير بشكل ودي في مجلس الديوان، وشُنق في حضوره ثلاثة رياس بعد محاكمتهم، ورُميت جثثهم في البحر. ويبدو أن هذا التصرف غير المتبصر عائد إلى نفوذ إسماعيل باشا المراعي للمصالح الفرنسية حسب ما نستبينه من مراسلاته. وفي نفس السنة، حمل المركيز دي مارتل رسالة من لويس الرابع عشر يعرض فيها على الجزائريين مساندته في حروبه ضد أعدائهم الأوروپيين؛ وفي حين قبل أعضاء الديوان مبدئياً بهذا العرض، فإن طائفة الرياس أبدت معارضتها لأي تحيز تجاه فرنسا. عاد دي مراتل من جديد، في فبراير 1670، على رأس عمارة للشكوى من احتجاز الجزائريين لعدد من رعايا ومراكب بلاده، ولإدراج بنود إضافية في معاهدة 1666، بهدف تجنب تكرار المشاكل بين الطرفين. ومما نصت عليه هذه البنود الملحقة المعاقبة الجسدية للقباطنة المسؤولين عن التجاوزات واعتبار السفانين مسؤولين عن الخسائر الملحقة بسفن الطرف الآخر، كما تضمنت إلغاء حق تفتيش المراكب الفرنسية.
وهكذا، استطاعت فرنسا أن تفرض شروطها على الجزائريين، ليس فقط بسبب تاثير إسماعيل باشا على الحاكم والديوان، بل أيضاً لتعاظم قوة الفرنسيين البحرية بفضل جهود كولبير؛؛ إلا أن الرياس حملوا علي أغا مسؤولية ضعف الموقف الجزائري، وحتى أن بعضهم اتهمه بتلقي الرشاوى سراً.
مع إنگلترة
فيما يخص العلاقات مع إنگلترة، بلغ التوتر بين البلدين ذروته في أبريل 1664 بعدما قام الجزائريون باحتجاز عدد من السفن الإنگليزية؛ ولقد اعتبر الأميرال لاوسون هذا التصرف خرقاً للسلم، واستولى من جهته على عدة مراكب جزائرية اقتيدت كغنائم إلى طنجة، القاعدة الاتي اكتسبها الإنگليز حديثاً. وانتقاماً لذلك، أُهين القنصل روبرت براوني ورُمي مكبلاً بالقيود في السجن. خلال الصيف، قدم لاوسون إلى الجزائر للمطالبة بتحرير القنصل، فأُخلي سبيل هذا الأخير إلا أن مقر سكناه وُضع تحت حراسة مشددة. أما السفن المحتجزة، فرفض علي أغا البت بشأنها ما لم تُعوض الخسائر الجزائرية. وفي الوقت الذي كان الجزائريون منشغلين بمحاربة الفرنسيين في جيجل، عاد الإنگليز بقيادة نائب الأميرال توماس ىلن؛ وهذه المرة توصل الطرفان إلى تسوية المشاكل العالقة بينهما على أساس معاهدة 1662، والتي أُضيف إليها بند منح القنصل حرية الإنسحاب من المدينة إلى أي مكان شاء. وقبل ذهابه، عين آلن القبطان نيكولاس پاركر لشغل منصب القنصل بدل براوني الذي تُوفي من مرض في بداية سبتمبر على ما يبدو.
خلال الحرب الإنگليزية الهولندية، انضم الرياس أكثر من مرة للإنگليز لمهاجمة السفن الهولندية والفرنسية، وذلك على الرغم من تسجيل بعض التجاوزات ضد الجزائريين من طرف الجانب الإنگليزي. وقد ازدادت الهجمات عام 1668 إلى حد اضطر علي أغا، تحت ضغط طائفة الرياس، الترخيص من جديد بمطاردة السفن الإنگليزية؛ وفي 9 أكتوبر من السنة نفسها، قدم آلن إلى الجزائر لتدارك الوضع، غير أن المحادثات التي تولاها مبعوثية بمساعدة القنصل جون وارد، الذي خلف پاركر السنة الماضية، لم تسفر عن نتيجة تُذكر سوى افتداء بعض الأسرى الإنگليز. في سبتمبر 1669، عاد آلن ثانية على رأس 25 بارجة، وبعد خمسة أيام من المباحثات غير المجدية، فتح الأسطول الإنگليزي نيرانه على برج المول؛ وعلى الفور، رد الجزائريون بقوة من حصن سيدي يعقوب الذي أُكمبل بناؤه حديثاً، وخرجت سفن الرياس للمواجهة. وجرت على مرأى من المدينة معركة ضارية تكبد خلالها الإنگليز خسائر فادحة، واضطروا للإنسحاب إلى ماهون بالبليار لرأب الأضرار.
وفي السنة التالية، سير الإنگليز عمارة مشتركة مع الهولنديين، ضمت خمس سفن تحت قيادة آلن وأربع سفن تحت قيادة الهولندي ڤيلم فان گنت، تموقعت في مضيق جبل طارق لإعتراض السفن الجزائرية. وتمكنت هذه العمارة قرب رأس سبارطل نهاية أغسطس من إغراق سفينة وإجبار ست سفن أخرى إلى الجنوح للساحل المغربي، في حين استطاع أغلب بحارتها النجاة بأنفسهم إلا أن السفن أُحرقت. وبقي الإنگليز يجوبون البحر قرب السواحل الجزائرية محاولين التضييق على تحركات الرياس؛ وخشية قيامهم بإنزالات برية، قام الحاج علي أغا بتقوية التحصينات شرق العاصمة كما جدد بناء حصن تامنفوست وخندق حوله.
في مايو 1671، هاجم الأسطول الإنگليزي بقيادة الأميرال إدوارد سپاراگ مرسى بجاية على حين غرة ودخله عنوة، وقام بإضرام النار في ثمانية من المراكب الراسية فيه واستولى على ثلاثة أخرى. وكان رد الفعل بالجزائر، وضع الديوان القنصل وكبار التجار الإنگيز في السجن حماية لهم من السخط الشعبي، بعد أن نهبت الدهماء مقر القنصلية وقُقتل الترجمان في خضم ذلك. وفي يوليو، ظهرت قطع من الأسطول الإنگليزي غير بعيد من ميناء الجزائر وشددت عليه الحصار. لقد كانت هذه العمليات الإنگليزية، إلى جانب عوامل أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً، بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات في الجزائر وأدت في النهاية إلى سقوط الحاكم.
الأقاليم المتحدة
وصل الأميرال دى رويتر إلى الجزائر في 19 يونيو 1664، أي أربعة أشهر بعد انقضاء أجل الخمسة عشر شهراً المحددة لجلب فدية الأسرى الهولنديين والأجانب الذي أُسروا على متن السفن الهولندية؛ وجد هناك جواً من الريبة والضغينة بسبب تصرفات ترومپ وتحضيرات الحملة الفرنسية على جيجل. وقد تجلى ذلك في تصلب الموقف الجزائري خلال المفاوضات، حيث تمسك علي أغا بحق التفتيش الذي يخول للرياس مصادرة املاك الأعداء، مُضيفاً أن الجزائر لم تتنازل قط عن ذلك الحق بدليل اتفاق هدنة 1662؛ وفضلاً عن ذلك، طالب بتعويضات لقاء الخسائر التي ألحقها ترومپ. كانت النتيجة الوحيدة لهذه المفاوضات إخلاء سبيل القنصل فان در برگ الذي كان تحت الإقامة الجبرية، إذ أبدل هو وأمين سره وثلاثة من خدمه مقابل سبعة وثلاثين جزائري. ولم يمنع عدم الإتفاق الطرفين من المضي في عملية الفداء. لكن بعد أن خلص نحو خمسة وخمسين هولندياً من الأسر، رفض دى رويتر طلب علي أغا في افتداء عدد من الاسرى الأجانب؛ ودون سابق إنذار، كتب رسالة إلى الديوان يُبلغ فيها أن الأقاليم المتحدة لم تعد تريد سلاماً مع الجزائريين. ويوم غد، 5 يوليو، رفع الأسطول الهولندي راية الحرب وعادة مباشرة لبلاده.
بسبب اندلاع الحرب مجدداً مع إنگلترة (1665-1667)، لم تقم الأقاليم المتحدة بأي عمل تجاه الجزائر واكتفت بتسيير سفن حربية لحماية قوافل سفنها التجارية من القرصنة، وفي غضون ذلك، كثف الرياس من عملياتهم ضد الهولنديين. وفي عام 1668، هاجم الجزائريون بارجة حربية هولندية تواكب ستة سفن تجارية، وتمكنوا من الإستيلاء على إحدى هذه السفن. إثر هذا الحادث، اتصلت الأقاليم المتحدة بالحكومة الإنگليزية وعرضت عليها التعاون من أجل معاقبة الجزائريين على جسارتهم؛ ونجم عن ذلك إرسال عمارة مشتركة إلى المضيق، عملاً بنصيحة دى رويتر، التي أسعفها الحظ صيف 1670 في تدمير سبع سفن جزائرية. ولقد قنع الهولنديون بهذا النصر وأحجموا عن المضي قدماً خشية أن يعززوا أكثر موقف الإنگليز الذين كانوا يمتلكون قاعدة بحرية هامة في المنطقة، طنجة. وهكذا، استمرت حالة الحرب بين الأقاليم المتحدة والجزائر سنيناً عدة قبل أن يتحرك الطرف الأول لطلب الصلح.
إسپانيا
في بداية خريف 1665، اغتنم الحاج علي أغا نشرة الانتصار في جيجل ووجه جيشاً صغيراً إلى وهران، لكن الحصار الذي فُرض على المدينة لم يلبث أن أثبت عدم جدواه بسبب قلة عدد الجزائريين. عام 1666، عين المركيز دي لوس ڤلز قائداً عاماً جديداً لوهران، وباشر ابتداء من السنة ذاتها عمليات الإغارة على القبائل المجاورة الموالية للأتراك. وفي أبريل 1669، قام الحاكم المذكور، تنفيذاً لتصريح ملكي، بطرد المئات من يهود وهران،؛ فالتجأ معظم هؤلاء اليهود إلى إيطاليا، بيد أنهم عادوا فيما بعد تدريجياً لمسقط رأسهم. وفي نفس السنة، عاود علي أغا الكرة من جديد ضد وهران وجهز جيشاً تدعم في الطريق بعدد كبير من المتطوعين والخيالة العرب. لكن ما حدث هو أن المعسكر رفع على عجل، بعد أن حوصر الموقع أياماً بشكل غير كامل وأقيمت عدة محاولات غير مجدية ضد أسواره. والظاهر أن السبب الكامن وراء فشل هذا الحصار هو اندلاع ثورة تلمسان الكبرى التي كانت بإيعاز من سلطان المغرب. وخلال السنتين التاليتين، اكتفت المحلات الموجهة إلى بايليك الغرب بإرسال مفارز للإغارة على أحواز وهران لإبقاء الضغط على الإسپان.
المغرب
عندما تولى الرشيد، أخ محمد بن الشريف، الملك جدد مع الجزائر عام 1665 الإتفاق الذي أقر وادي تافنة حداً فاصلاً بين البلدين، وذلك ليتفرغ لتوحيد المغرب تحت سلطانه. وبعد تمكنه من الإستيلاء على فاس عام 1667، هاجم القايد خضر غيلان الذي كان يسيطر على إقليم الغرب، وانتصر عليه قرب القصر الكبير؛ عندما استنجد غيلان بالأتراك العثمانيين معلناً ولاءه، ولكن الرشيد عاجله واضطره للإلتجاء إلى الجزائر حيث جهز فرقاطة وانصرف إلى الجهاد البحري. إثر ذلك، قام الرشيد بمهاجمة زاوية دلاء القوية في 1668 فدمرها تماماً، وحمل معه مرابطيها وشيخها محمد الحاج أسرى إلى فاس حيث احتجزهم بعض الوقت. وكانت تربط الزاوية الدلائية من قبل علاقات طيبة مع حكام الجزائر. والمرجح أن المولى الرشيد خطرت له فكرة استخدامه استخدام خصومه السابقين للعمل على تحقيق مشروع أخيه محمد التوسعي في غرب الجزائر؛ ولذلك "أبعد" هؤلاء المرابطين إلى تلمسان، وكانت النية المبيتة تحريض سكانها على الثورة.
وبالفعل، لم تمضي شهور على ذلك حتى تفجرت ثورة خطيرة بالمدينة وأحوازها ضد الأتراك العثمانيين دامت سنيناً عدة، وامتدت الإضطرابات إلى أنحاء المنطقة الحدودية. وتجدر الإشارة إلى أن المولى لم يتدخل بتلمسان بسبب انشغاله في إخماد الثورات واستكمال بسط نفوذه على كامل بلاد المغرب الأقصى.
الأوضاع الداخلية
في قسنطينة، خفت وطأة وباء الطاعون كثيراً عام 1664 قبل أن يختفي، بعد أن "قضى على خلق كثير". وفي هذه الأثناء، تحسنت الأوضاع الأمنية في البايليك بشكل كبير عما كانت عليه من قبل، خصوصاً على الجبهة القبائلية التي شهدت تآلف الأتراك والقبائليين معاً في دحر الفرنسيين عن جيجل. لكن هذا الهدوء النسبي لم يدم طويلاً، فقد أدت محاولة الباي محمد بن فرحات فرض ضريبة "اللزمة" على قبيلتي الحنانشة والداودة الممتنعتين إلى ثورتهما عام 1666. ومنتصف الصيف، زحفت جموع هؤلاء الثوار على قسنطينة، و"حاصروها وتغلبوا حتى على بعض الفرق التي أُرسلت من الجزائر، لكن لم تلتحم المحلة الثانية بباقي القوات حتى أجبروا المحاصرين على رفع الحصار والتقهقر مع بعض الخسائر". وفي أكتوبر من نفس السنة، قام الحاج علي أغا بعزل الباي المذكور ثمناً لأخطائه وصادر أملاكه، وولى مكانه عمه رجب باي.
ولما لم يستطع رجب باي، بالرغم من بعض الإنتصارات التي حققها في الميدان، من التغلب على ثورة الدواودة والحنانشة، ارتأى سبيل المصاهرة حلاً لأزمة وزف ابنته "أم هانئ" لأخ شيخ قبيلة الدواودة. غير أن الإضطرابات ظلت قائمة، وتدعم صف الحنانشة بحلفاء جدد هم قبائل بني عباس. ولقد جعل المتمردون المرور عبر منطقة البيبان جد صعب وهددوا ذلك بقطع طريق قسنطينة. لذا، أرسل علي أغا عام 1670 محلة قوية إلى تلك المنطقة مكنت الباي بعد جهود وخسائر من إخضاع بني عباس المتمردين، ولم تلبث الثورة إلا قليلاً وخدمت. وكان أهم حدث جرى في بايليك الغرب هو تفجر ثورة تلمسان الكبرى عام 1669؛ وقد فاجأ اندلاعها الأتراك العثمانيين الذين كانوا باشروا قبلها بأيام حصار وهران، مما اضطرهم إلى الإنسحاب للجزائر. وفي عام 1670، وجه الحاج علي أغا محلة لقمع الثوار لكنها لقيت مقاومة شديدة بسبب انضمام عدة قبائل إلى صف التلمسانيين وفي السنة التالية، وجه الأغا محلة أخرى إلى تلمسان ومثل سابقتها تكبدت خسائر دون أن تحقق الهدف المرجو.
أما بالنسبة لعاصمة الإيالة، فبعد السنوات الحالكة التي عرفتها لحسر وباء "الحبوب القوية" تدريجياً خلال عامي 1665 و1666، كما انتعشت الأنشطة الاقتصادية سريعاً بشكل انخفضت معه الأسعار، فتحسنت الأوضاع المعيشية للسكان تباعاً. وفي ظل هذه الظروف، عرفت الجزائر هدوءاً نسبياً حتى 1668، ففي تلك السنة، ثار أفراد جماعة الزواوة المقيمون بالفحص الذي يحمل اسمهم والواقع غرب المدينة؛ وعلى إثر ذلك، قام الأتارك بإعدام قائد جماعة الزواوة المتورط في تلك الاضطرابات وأُحرقت أشلاؤه في أماكن مختلفة من المدينة. وغالب الظن أن تمرد هؤلاء البرانية كانت له علاقة بثورة قبائل زواوة وبني عباس إذ ذاك ضد السلطة التركية.
وبالنظر إلى سير الأحداث، يتضح لنا بأن الحاج علي أغا واجه فعلاً أوقاتاً جد عصبية وخاصة خلال السنتين الأخيرتين من حكمه؛ فلقد أثارت سياسته التي اتسمت بالليونة تجاه فرنسا تذمراً متزايداً في وسط الرياس، إذ لم يغفر له هؤلاء معاقبته لرفاقهم عام 1669 وقبوله ببنود إضافية مجحفة عام 11670 فقد لترضية الطرف الفرنسي، في حين كان ذلك الطرف يستغل أية فرصة لإلحاق الضرر بالبحرية الجزائرية. كما كانت للخسائر الفادحة التي تكبدها الرياس على يد الإنگليز، وعلى الأخص بميناء بجاية عام 1671، الأثر الكبير في تهيج المشاعر ضد الحاكم رافقها وقوع إضطرابات بحي البحرية. وكتدبير احترازي، وزع الحاج علي أغا بعض الهبات، في حين ألقى بمسؤولية ما حدث على القبطان الحاج محمد التريكي وأودعه السجن بدار الإمارة؛ وعلى صعيد آخر، قام بنفي خطيب الجامع الجديد، قرباش أفندي، الذي خاض في شؤون لاحكم واتخذ موقفاً مناوئاً منه.
ولقد كان الإنكشاريون من جانبهم كذلك مستائين من الحاكم ليس للأسباب السابقة فحسب، بل لأنه كان أيضاً يشغلهم كثيراً في عمليات حربية مكلفة من حيث الأرواح والمشاق، لإخماد الثورات ولإعادة فرض النظام في المناطق الداخلية المستعصية. ولهذا السبب بالذات، تآمرت الإنكشارية للإطاحة بعلي أغا في 24 سبتمبر 1671، وكلف جنود الحامية العائدين من تلمسان بالتمرد، وكانوا قد اضطروا لإخلاء حصن المشوار بعد أن عجزت القوات الجزائرية لسنتين عن التغلب على الثوار. بيد أن الأغا تمكن من النجاة من قبضة المتمردين، وعاقب بشدة من وقع في يده منهم؛ وكان من بين المتورطين في المؤامرة، أغا الإنكشارية الذي أمر علي أغا بخنقه، وحسن شاوش الذي فر إلى الباستيون.
وعاود اليولداش محاولة قتل الحاج علي أغا في 18 أكتوبر بنجاح هذه المرة، واجتزوا رأسه. وأعقب الإغتيال فوضى عارمة في المدينة استمرت خمسة أيام، تعقب اليولداش خلالها أتباع الأغا المقتول وقتلوا كل من لم يتمكن منهم من الهرب؛ كما أمر ديوان الإنكشارية بمصادرة أموال علي أغا، فاقتحم الشواش داره ولما لم يجدوا شيئاً، عذبت امرأته حتى باحت لهم بالمكان الذي خبأ فيه المال.
نهاية عهد الأغوات
اجتمع الديوان لانتخاب خلفاً لعلي أغا، وفعلاً تم ترشيح خمسة أو ستة أغوات في غضون ثلاثة أيام، إلاأنه قُتلوا جميعاً بعيد تعيينهم في خضم الفوضى السائدة، وذلك نتيجة الخلاف الشديد والتهافت على السلطة الذي طغى بين أعضاء الأوجاق بشكل لم يسبق له مثيل. وقد كانت النتيجة أنه لم تعد لأحد منهم رغبة في تولي الأغوية الذي أصبح من المؤكد أن قبول المنصب يودي بصاحبه إلى موقت محقق. وهكذا، عجز الديوان عن التوصل إلى تعيين أغا يكون كفؤاً لتولي الحكم والخروج من الأزمة.
اغتنم إسماعيل باشا هذه الفرصة السانحة، فأقام جهة الشرق غير بعيد من المدينة سرادقه ونصب قربه أذيل الخيل التي ترمز إلى مكانته، ودعا الإنكشارية للإلتفاف حوله؛ وكان يسعى من وراء ذلك إلى أن تُسند إليه مقاليد الحكم كما كان عليه الحال في عهود الولاة العثمانيين المتقدمين. لكن مبادرة الباشا باءت بالفشل بسبب تحرك طائفة الرياس، وكانت قد رشحت من جهتها القبطان محمد التريكي لحكم البلاد. وقد وجد اقتراح الرياس آذاناً صاغية لدى عدد من الاكابر في أوجاق الإنكشارية، فتوجه جمع من الطرفين إلى دار الإمارة لتحرير القبطان السجين وعرض الأمر عليه. قبل محمد التريكي العرض بتردد مشترطاً أن يُمنح مفاتيح القصبة وسلطة كل شيء. ووافق الديوان الذي انعقد سريعاً على ذلك وأُنتخب القبطان المذكور داياً على الجزائر؛ ولأنه كان متقدم في السن، أُلحق به صهره حسن شاوش بصفة كاهية، وأُعطي لقب حاكم الذي كان الحاج علي أغا قد اتخذه من قبل. كل ذلك جرى، حسبما ذكر القنصل الفرنسي ديبورديو، في غضون أربع ساعات.
وهكذا انتهت فترة الأغوات، والتي وإن دامت إثنا عشر سنة فقط، إلا أنها كانت غنية بالأحداث والتحولات السياسية كما لم تشهده الجزائر ربما طيلة العهد العثماني بأكمله.
انظر أيضاً
المصادر
- ^ "أوضاع الجزائر في عهد الأغوات". جامعة طيبة. 2019-01-29. Retrieved 2026-05-14.
- ^ Shuval, Tal (2013-09-30). La ville d'Alger vers la fin du XVIIIe siècle: Population et cadre urbain (in الفرنسية). CNRS Éditions via OpenEdition. p. 14. ISBN 978-2-271-07836-0.
- ^ Galerie littéraire scientifique et d'anecdotes recueil choisi de productions diverses (in الفرنسية). p. 114.
- ^ خطأ استشهاد: وسم
<ref>غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة:16 - ^ Soucek, Svat (2015). Ottoman Maritime Wars, 1416–1700. Istanbul: The Isis Press. pp. 119–124. ISBN 978-975-428-554-3.
- ^ Christine Woodhead (2012). The Ottoman world. Internet Archive. Milton Park, Abingdon, Oxon; New York : Routledge. pp. 271–273. ISBN 978-0-415-44492-7.
- ^ خطأ استشهاد: وسم
<ref>غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة:9 - ^ يحيى, بو عزيز (2009). الموجز فى تاريخ الجزائر. p. 42.
- ^ خطأ استشهاد: وسم
<ref>غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة:22 - ^ أ ب ت خطأ استشهاد: وسم
<ref>غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة:7 - ^ خطأ استشهاد: وسم
<ref>غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة:6 - ^ الجزائر في عهد الأغوات (1659-1671)، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث، جامعة الجزائر، إعداد محرز أمين، إشراف د. عائشة غطاس، 2007-2008.
- ^ "Ali Agha, General der Janitscharen". jenikirbyhistory. Retrieved 2026-05-14.