خطاب التنحي 1967

خطاب تنحي الرئيس جمال عبد الناصر هو خطاب تاريخي أذاعه الرئيس المصري جمال عبد الناصر عبر التلفزيون والإذاعة مساء يوم 9 يونيو 1967، بعد أربعة أيام من نهاية نكسة يونيو. أعلن فيه تحمله المسؤولية الكاملة عن الهزيمة وتنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف زكريا محيي الدين بتولي الحكم وفقًا للمادة 110 من الدستور المؤقت الصادر في مارس 1964.[1]

شكل الخطاب لحظة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، حيث فاجأ المصريين والعرب بقراره، قبل أن تشهد الشوارع المصرية والعربية مظاهرات حاشدة تطالب بالعدول عن القرار، وهو ما حدث بالفعل في اليوم التالي.[2]

الخلفية التاريخية

هزيمة 1967

في 5 يونيو 1967، شنت إسرائيل هجومًا استباقيًا على مصر وسوريا والأردن، عُرف باسم "النكسة". دمرت القوات الجوية الإسرائيلية معظم الطائرات الحربية المصرية على الأرض، واجتاحت القوات البرية شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان.[3]

اجتماع القيادة

مساء 8 يونيو 1967، توجه عبد الناصر إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، حيث اجتمع مع عبد الحكيم عامر (القائد العام) وقادة الجيش. هناك أدرك حجم الكارثة العسكرية، واتفق مع المشير عامر على ضرورة تقديم استقالتهما.[4]

وفقًا لمذكرات عبد الناصر، كان المشير عامر في حالة انهيار تام، واقترح أن يكون شمس بدران خلفًا له. لكن عبد الناصر اختار زكريا محيي الدين، مدير المخابرات العامة الأسبق، ليكون رئيسًا مؤقتًا.[4]

مضامين الخطاب

الإعلان عن التنحي

بدأ عبد الناصر خطابه بالقول:

"إخوة، في أوقات النصر والمحن، في الساعات الحلوة والمرة، تعودنا أن نجلس معًا لنتحدث ونواجه الحقائق بصراحة، معتقدين أن بهذه الطريقة فقط يمكننا دائمًا أن نجد الطريق الصحيح مهما كانت الظروف صعبة."[3]

بعد سرد وقائع الأزمة منذ بداية مايو 1967، واتهام الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالتواطؤ مع إسرائيل، أعلن قراره:

"لقد وصلنا إلى نقطة مهمة في هذه المراجعة لنسأل أنفسنا: هل يعني هذا أننا لا نتحمل مسؤولية نتائج النكسة؟ أقول لكم بصراحة – ورغم أي عوامل قد تكون استندت إليها في موقفي أثناء الأزمة – أنا مستعد لتحمل المسؤولية الكاملة... لقد اتخذت قرارًا أريد منكم جميعًا مساعدتي فيه. لقد قررت أن أتنحى نهائيًا وبشكل كامل عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، وأؤدي واجبي مثل أي مواطن آخر."[3]

تسمية زكريا محيي الدين خلفًا

استند عبد الناصر في قراره إلى المادة 110 من الدستور المؤقت الصادر في مارس 1964، وكلف زكريا محيي الدين بتولي منصب رئيس الجمهورية.[1]

رسالة إلى القوى الإمبريالية

وجه عبد الناصر رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة:

"تتصور قوى الإمبريالية أن جمال عبد الناصر هو عدوهن. أريد أن يكون واضحًا لهن أن عدوهن هو الأمة العربية بأكملها، وليس جمال عبد الناصر فقط."[5]

ردود الفعل

التظاهرات الجماهيرية

فور بث الخطاب، خرجت مظاهرات حاشدة في شوارع القاهرة والإسكندرية ومدن مصرية أخرى، رافعة صور عبد الناصر وهتافات "لا للتنحي" و"لا إله إلا الله والناصر حبيب الله".[2]

استمرت التظاهرات طوال ليلة 9 يونيو ويوم 10 يونيو 1967، وشاركت فيها جميع النقابات المهنية والأحزاب والاتحادات الطلابية. اضطر زكريا محيي الدين إلى رفض المنصب، وطالب بعودة عبد الناصر.[6]

ردود فعل دولية

رأت لندن في استقالة عبد الناصر فرصة لتحقيق تسوية سلمية، حيث اعتقدت أن قائدًا جديدًا لا يتحمل المسؤولية المباشرة عن الهزيمة يمكنه "عقد صفقة" لم يكن عبد الناصر ليقدم عليها.[6]

في المقابل، خرجت مظاهرات تأييد واسعة لعبد الناصر في بيروت وعواصم عربية أخرى.[6]

العدول عن التنحي

الناصر وكواليس مظاهرات 1967 تمثيلية سياسية كبري.

في 10 يونيو 1967، اجتمع المجلس الوطني (البرلمان المصري) وقرر رفض الاستقالة، وأصدر بيانًا أعلن فيه تمسكه بعبد الناصر رئيسًا.[2]

في مساء 10 يونيو، تراجع عبد الناصر عن قرار التنحي، وبقي في منصبه. صرح قائلاً: "لا يمكنني أن أتخلى عن مسؤوليتي في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة".[2]

الأسباب والدوافع

العوامل الذاتية (حسب مذكرات عبد الناصر) وفقًا لمذكرات عبد الناصر، التي نُشرت بعد وفاته، كان الدافع الأساسي للتنحي هو إدراكه لفشل النظام السياسي المغلق. قال:

"لقد تصرفت بهذه الطريقة، بينما شمس بدران وآخرون كانوا يستعدون لتولي الحكم... يمكننا أن نستنتج من هذه الملحمة بأكملها أن النظام المغلق سيؤدي في النهاية إلى نظام وراثي."[4]

أضاف: "إذا كان هذا صحيحًا، فالمستقبل سيكون خطيرًا جدًا. لذلك أعتقد أننا يجب أن نبذل جهودًا فورية لتغيير النظام لأنه بالتأكيد به عيوب."[4]

التفسيرات السياسية

يرى المؤرخون أن عبد الناصر سعى إلى:

  • تحميل المسؤولية للقوات المسلحة: من خلال الإعلان عن استقالته، أظهر للرأي العام أنه ليس مسؤولًا وحده عن الهزيمة.[4]
  • حشد التأييد الشعبي: كانت الاستقالة بمثابة "اختبار ولاء" للجماهير، أعاد تأكيد شعبيته بعد الهزيمة.[2]
  • فضح "التواطؤ" الأمريكي البريطاني: من خلال اتهام القوى العظمى بالوقوف وراء إسرائيل.[1]
  • تهيئة الرأي العام لمرحلة جديدة: حيث كانت الاستقالة تمهيدًا لإعادة هيكلة النظام السياسي.[4]

الخطاب في الأرشيف

يُحتفظ بنص خطاب تنحي عبد الناصر في:

  • مكتبة الإسكندرية: ضمن مشروع "ذاكرة عبد الناصر"، حيث يتوفر النص الكامل باللغة العربية.[1]
  • أرشيف الجامعة العبرية: ضمن مجموعة "وثائق حرب 1967".[3]
  • الأرشيف البريطاني: ضمن وثائق وزارة الخارجية.[6]

انظر أيضًا

المصادر

  1. ^ أ ب ت ث "نص خطاب تنحي جمال عبد الناصر 9 يونيو 1967". مكتبة الإسكندرية - مشروع ذاكرة عبد الناصر. Retrieved 2026-06-07.
  2. ^ أ ب ت ث ج "Le discours de démission de Nasser". أهرام انفو (in الفرنسية). 2013-06-05. Retrieved 2026-06-07.
  3. ^ أ ب ت ث "Gamal Abdel Nasser: Resignation Broadcast (June 9, 1967)" (PDF). The Israel-Arab Reader (in الإنجليزية). Retrieved 2026-06-07.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح Nasser: The Final Years (PDF) (in الإنجليزية). The American University in Cairo Press. 1999. p. 31.
  5. ^ "Gamal Abdel Nasser: Radio Broadcast to the Nation Announcing Presidential Resignation". American Rhetoric (in الإنجليزية). Retrieved 2026-06-07.
  6. ^ أ ب ت ث "Nasser resigns: Crowds in Cairo weep". The Telegraph (in الإنجليزية). 1967-06-09.