الاتحاد السوڤيتي والصراع الإسرائيلي العربي

العلاقات Israel–Soviet Union
Map indicating locations of Israel and Soviet Union

إسرائيل

الاتحاد السوڤيتي

لعب الاتحاد السوڤيتي دوراً هاماً في الصراع الإسرائيلي العربي، بكونه جزءاً رئيسياً من الحرب الباردة. للتطورات التالية لحل الاتحاد السوڤيتي عام 1991، انظر روسيا والصراع الإسرائيلي العربي.

الماركسية-اللنينية والصهيونية

تأسيس دولة إسرائيل


د. أشرف الصباغ

ساهم بشكل رئيسي في تحرير هذا المقال

تناول الدبلوماسي السوڤيتي أوليگ گرينيڤسكي في مذكراته فصلاً عن الوجود السياسي–المخابراتي الروسي في فلسطين. ورصد الدبلوماسي أهم الأطوار التي مر بها هذا الوجود حتى بعد ظهور دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية. فبدأه بالعبارة التاريخية لستالين "لن يكون هناك سلام بعد الآن". ويؤكد الدبلوماسي السوڤيتي على أنه عندما صوت المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوڤيتي عام 1948 بالموافقة على إقامة الدولة اليهودية، كان ستالين لحظتها يجوب الغرفة في صمت وهو يدخن غليونه، وفجأة قال جملته الشهيرة. واتضح أنه من الصعب أن يختلف أحد مع نبوءة ستالين. إلا أنه من الضروري أن نرصد هنا أن موسكو كانت قد وضعت يدها أيضاً في المواجهات الفلسطينية-الإسرائيلية منذ زمن بعيد.

في ديسمبر 1923 ظهر في فلسطين عميل دائرة المخابرات الخارجية السوڤيتية ياكوف بلومكين الذي أصبح فيما بعد المعلم الرئيسي للمقاتلين اليهود المحليين. فبليومكين عضو حزب الاشتراكيين الثوريين سابقاً، والذي نال الرضا على اغتياله سفير ألمانيا في روسيا السوڤيتية ميرباخ، حصل على العفو عام 1919، وبعدها تم تكليفه برئاسة قسم مكافحة التجسس. وفي وقت لاحق اتخذ ياكوف بلومكين مؤقتاً وظيفة في سكرتارية ليف تروتسكي كغطاء لنشاطاته. وبعد أن أنهى دورة تدريبية للدبلوماسيين الشبان أُرسل للعمل في فلسطين حيث كانت المخابرات السوڤيتية قد أقامت شبكات للعملاء المحليين هناك. وبالطبع أُرسل ياكوف إلى فلسطين بعد خبرة طويلة في العمل القتالي والتجسسي وحرب العصابات في مؤخرة الجيش الأبيض المعادي آنذاك للثورة البلشڤية. منذ ذلك الحين بدأ مستقبل عميل المخابرات الخارجية السوڤيتية ياكوف بليومكين الذي شرع في جمع المعلومات عن أوضاع المستعمرات البريطانية في الشرق الأوسط، والمواقع المحلية الأخرى الواقعة تحت الانتداب. ومن أجل التمويه وإبعاد الأنظار عن نشاطاته استخدم هوية مزورة لرجل دين يهودي باسم گورڤينكيل، ثم افتتح لنفسه مغسلة. ومن خلال علاقاته الواسعة حاول اجتذاب اليهود إلى جانب الثورة الاشتراكية بإشاعة فكرة الإعداد لانتفاضة ضد الإنگليز.


ياكوڤ سربريانسكي

في نفس تلك الفترة في فلسطين كان هناك أيضا أحد أهم الخبراء في مجال التجسس وحرب العصابات، ذلك الشخص الموهوب ياكوف سيربريانسكي[1] (ولقبه الأصلي لافريتسكي)، والذي كان يعمل أيضا في صفوف حزب الاشتراكيين الثوريين، وأصبح فيما بعد مساعدا لياكوف بليومكين في فلسطين. وكان من المفترض أن يقوم سيربريانسكي بدراسة الحركات الثورية والقومية وهو ما نجح فيه بدرجة عالية أهلته بعد ذلك لشغل مكان بليومكين بعد عودة الأخير إلى موسكو. في البداية قام المركز في موسكو بتكليف سربريانسكي بإقامة شبكة عملاء حلزونية واسعة ومتغلغلة في مختلف الدوائر بشكل عام، ثم زرع عناصر منها في المنظمات العسكرية الصهيونية. وخلال عام واحد تمكن سربريانسكي من تجنيد مجموعة كبيرة من المهاجرين سواء من بين الجماعات الصهيونية التي بعثت من الخارج إلى فلسطين، أو من بين الروس الذين كانوا يحاربون في صفوف الجيش الأبيض وهربوا فيما بعد إلى فلسطين. والقليلون يعرفون أنه عام 1924 في فلسطين بدأ هناك بالذات مستقبل "القائد الكبير" لشبكة العملاء الأوروپية التابعة للمخابرات السوڤيتية ليوبولد ترپر. وكان ليوبولد، ابن التاجر اليهودي الفقير، في شبابه صهيونياً ومقاتلاً شيوعياً عنيداً. ومن أهم أفكاره التي كان يحب تكرارها دائماً: "أنا شيوعي، لأنني يهودي".

من جانب آخر كان دخول المناطق الغربية في أوكرانيا وبلاروسيا، وكذلك دول البلطيق في نطاق الاتحاد السوڤيتي عاملاً هاماً في تحويل نشاطات العديد من المنظمات الصهيونية العاملة على أراضي تلك الدول من العمل العلني إلى العمل السرى. وظلت المهمة الأساسية لتلك المنظمات كما كانت عليه في السابق: تجنيد العناصر، وجمع الأموال من أجل إرسال الجماعات الصهيونية إلى فلسطين. وبالطبع كانت المخابرات السوڤيتية تراقب عن كثب علاقات عدد من المنظمات اليهودية مع أجهزة المخابرات الأجنبية. وقد ورد ذلك بشكل تفصيلي في أحد تقارير الإدارة رقم 3 في المفوضية الشعبية لأمن الدولة (المخابرات السوڤيتية كي جي بي لاحقاً) بتاريخ 15 يونيو 1941 تحت عنوان "حول وضع العمل في إعداد المنظمات القومية اليهودية العاملة تحت الأرض". وفي غضون ذلك كانت السلطة السوڤيتية تقوم بتوجيه ضربات محسوبة للمنظمات القومية اليهودية مستثنية منها المجموعات التي تم الاعتراف بها، من وجهة نظر السياسة السوڤيتية آنذاك، على أنها مجدية ويمكن استخدامها في المستقبل. وعلى هذه القاعدة بالذات أسست السلطة السوڤيتية علاقتها مع اللجنة الاجتماعية اليهودية لمكافحة الفاشية كعنصر للسياسة الستالينية المناهضة للفاشية.

إن المعلومات الخاصة بمشاركة الاتحاد السوڤيتي في حل المشكلة الفلسطينية-الإسرائيلية وإقامة دولة يهودية هناك ظلت لفترة طويلة بعيدة عن يدى العلماء والباحثين. والسبب في ذلك لا يعود إلى أمور سياسية أو أيديولوجية بقدر ما يعود إلى أمور براجماتية متعلقة بمستوى ونوعية ودرجة النشاطات المرتبطة بأسرار الدولة. والأمر بساطة هو أنه قبيل إقامة دولة إسرائيل عام 1948 كانت جميع اتصالات القادة السوڤييت مع قادة المنظمة الصهيونية والمنظمات اليهودية الأخرى بشأن مستقبل فلسطين تجري عبر القنوات الدبلوماسية السرية ومن خلال أجهزة الاستخبارات السرية أيضا. في نهاية عام 1938 وبداية 1939، ولأسباب عديدة، حاولت أجهزة المخابرات البريطانية تشكيل معارضة قوية ضد القائد القادم لإسرائيل حاييم وايزمان. وعلى هذا الأساس وُضعت عدة خطط لعمل انشقاق داخل صفوف المنظمات الصهيونية، وخاصة بين المجموعات المتعادية. وأُسندت المهمة إلى گاي برجس أحد أعضاء ما يسمى "بخماسي كمبردج". كما تم أيضاً تكليف برجس بتجنيد زميله ڤيكتور روتشيلد الذي كان يمتلك مجموعة من العلاقات القوية والمؤثرة في مختلف الدوائر. المثير أن المفوضية الشعبية لأمن الدولة لم تعترض على تنفيذ برجس لهذه المهمة. وقد استطاع فعلياً إقناع روتشيلد بأن الحركة الصهيونية ليست في حالة تسمح لها الآن بالعمل الفعال، إضافة إلى أن رئيسها وايزمان قد سقط وخرج عن الخط المتفق عليه. وأقنعه أيضاً بأن الصهيوني الحقيقي لا يجب أن يثق بوايزمان بعد ذلك. ووفقا للخطة الموضوعة قام ڤيكتور روتشيلد بعرض الأمر على اللورد روتشيلد. وفي نهاية الأمر أصبح وايزمان في عزلة حقيقية بعد التشهير به ونزع الثقة عنه، وهو ما كشف عن أن روتشيلد نجح فعلياً في مهمته وأسس لمعارضة شديدة ضد الحركة الصهيونية، ولكن هذه المعارضة لم تستمر لفترة طويلة.

بعد انتهائه من مهمته الرائعة كتب برجس في أحد تقاريره للمخابرات السوڤيتية: "نعم، لقد قمتُ بتجنيد روتشيلد وتنشيطه..". مثل هذا الكلام لم يكن جديداً في علاقته بنشاطات المخابرات السوڤيتية في فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية، وإنما تكمن أهميته في أنه أكد توقعات الخبراء والمختصين، خاصة وأنه يثبت بشكل أو بآخر أهمية هذه القضية بالنسبة للاتحاد السوڤيتي لدرجة أن استخباراته الخارجية وظفت مجموعة كمبردج في لندن للاشتغال بهذا الأمر على الرغم من أن تلك الفترة كانت حرجة للغاية إذ أن المخابرات السوڤيتية كانت منشغلة تماماً بموضوع التجسس النووي وأسرار القنبلة النووية. ولكن ذلك لم يجعلها تتراجع عن العمل الجاد بهذه القضية. بعد ذلك تأكد المختصون من أن المخابرات السوڤيتية ليست بعيدة إطلاقاً عن ما حدث لوايزمان، وأن جميع تحركات برجس كانت تحت الرقابة الكاملة وبتنسيق كامل مع عملاء وموظفي المفوضية الشعبية لأمن الدولة في لندن. بل ويمكن التأكيد على أن برجس استطاع فعلاً تجنيد ڤيكتور روتشيلد كمصدر مخابراتي للمفوضية الشعبية، وبذلك يكون قد انضم إلى "خماسي كمبردج" ليصبح بعد ذلك "سداسي كمبردج". مرت عشرات السنين، وظهرت دولة إسرائيل، ونشبت حربان بينها وبين العرب، ثم بدأت منظمة التحرير الفلسطينية في استجماع قواها للرد على طرد وتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم التي وفقاً لقرارات الأمم المتحدة كان من الضروري أن تشكل دولة فلسطينية.

في البداية نظرت المخابرات السوڤيتية إلى الفدائيين الفلسطينيين بعين الشك كمهووسين خطرين، وفئات متناحرة لا يمكن الوثوق بها أو توقع ردود أفعالها. وفقط في نهاية عام 1960 أدركت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوڤيتي أنه من الممكن أن يكون الإرهاب مفيداً في الخط الذي اعتمدته لضرب الاستقرار في الغرب. بعد ذلك بدأت المخابرات السوڤيتية في بذل الجهود المكثفة لزرع العناصر في المنظمات الفلسطينية، وتمرير مواقف معينة من أجل استخدامها فيما بعد ضد القادة العرب الذين حاولوا تطبيق سياسات مستقلة عن الاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط. وفي الحقيقة، فمنظمة التحرير الفلسطينية ظلت لفترة طويلة غير معترف بها في الاتحاد السوڤيتي. وكانت أول زيارة لياسر عرفات إلى موسكو عام 1968، وتمت على مستوى اللجنة السوڤيتية للتضامن مع شعوب بلدان آسيا وأفريقيا. أما ياسر عرفات الذي تمكن من الحصول على رضا الكرملين ومباركته، فقد تم انتخابه رئيسا للمنظمة في 3 فبراير عام 1969. وفي الواقع لم تكن موسكو إلى ذلك الحين قد حددت موقفها بشأن مساعدة أو إعاقة التكتيكات الإرهابية في حل مشكلة الدولة الفلسطينية.

من ناحية أخرى وجهت موسكو عناية فائقة لتجنيد الطلبة الفلسطينيين الذين كانوا يدرسون في الجامعات الغربية، والذين كانوا يعودون فيما بعد إلى الشرق الأوسط للعمل تحت غطاء منظمة التحرير. وفي مثل تلك الحالات كان الضباط السوڤييت الذين كانوا يعملون على تدريب عناصر المنظمة يحاولون من جانبهم أيضاً تجنيد هذه العناصر للتعاون معها. وفي عام 1970 أصبح مقر المنظمة في شمال تونس حيث كان يتواجد وقتها هناك ياسر عرفات. وهناك بالذات بدأت الاتصالات بين المنظمة والمخابرات السوڤيتية. وفي نفس الوقت ظلت المنظمة على اتصال بالمخابرات الأمريكية عن طريق مصر والسعودية. في هذا السياق لا يمكن أن ننسى الاتصالات بين منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزة مخابرات ألمانيا الشرقية، والتي كانت بدايتها في 17 يناير 1981 في برلين الشرقية حيث التقى ياسر عرفات مع إريك هونيكر الذي منح الفلسطينيين كمية هائلة من الأسلحة، إضافة إلى 50 خبيراً ألمانيا لتدريب المقاتلين الفلسطينيين في لبنان. لقد كان الاتحاد السوڤيتي هو "العازف" الأول لسيمفونية العلاقات مع الفلسطينيين، وهو ما كشف عنه موظف المخابرات السوڤيتية أوليگ أگرانيانتس الذي كان يعمل تحت غطاء قنصل الاتحاد السوڤيتي في تونس، وتمكنت المخابرات الأمريكية من تجنيده عام 1980. إن أگرانيانتس بالذات هو الذي أفشى للمخابرات الأمريكية جميع المعلومات والتفاصيل الخاصة بالاتصالات بين المخابرات السوڤيتية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

حرب 1967

في البداية نظرت الاستخبارات السوڤيتية إلى الفدائيين الفلسطينيين بعين الشك كمهووسين خطرين، وفئات متناحرة لا يمكن الوثوق بها أو توقع ردود أفعالها. وفقط في نهاية عام 1960 أدركت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوڤيتي أنه من الممكن أن يكون الإرهاب مفيدا في الخط الذي اعتمدته لضرب الاستقرار في الغرب. بعد ذلك بدأت الاستخبارات السوڤيتية في بذل الجهود المكثفة لزرع العناصر في المنظمات الفلسطينية، وتمرير مواقف معينة من أجل استخدامها فيما بعد ضد القادة العرب الذين حاولوا تطبيق سياسات مستقلة عن الاتحاد السوڤيتي في منطقة الشرق الأوسط. وفي الحقيقة، فمنظمة التحرير الفلسطينية ظلت لفترة طويلة غير معترف بها في الاتحاد السوڤيتي. وكانت أول زيارة لياسر علرفات إلى موسكو في عام 1968، وتمت على مستوى اللجنة السوڤيتية للتضامن مع شعوب بلدان آسيا وأفريقيا.

أما ياسر عرفات الذي تمكن من الحصول على رضا الكرملين ومباركته، فقد تم انتخابه رئيساً للمنظمة في 3 فبراير عام 1969. وفي الواقع لم تكن موسكو إلى ذلك الحين قد حددت موقفها بشأن مساعدة أو إعاقة التكتيكات الإرهابية في حل مشكلة الدولة الفلسطينية.

من ناحية أخرى وجهت موسكو عناية فائقة لتجنيد الطلاب الفلسطينيين الذين كانوا يدرسون في الجامعات الغربية، والذين كانوا يعودون فيما بعد إلى الشرق الأوسط للعمل تحت غطاء منظمة التحرير. وفي مثل تلك الحالات كان الضباط السوفييت الذين كانوا يعملون على تدريب عناصر المنظمة يحاولون من جانبهم أيضا تجنيد هذه العناصر للتعاون معها. وفي عام 1970 أصبح مقر المنظمة في شمال تونس حيث كان يتواجد وقتها هناك ياسر عرفات. وهناك بالذات بدأت الاتصالات بين المنظمة والاستخبارات السوڤيتية. وفي نفس الوقت ظلت المنظمة على اتصال بالاستخبارات الأمريكية عن طريق مصر والسعودية.

في هذا السياق لا يمكن أن ننسى الاتصالات بين منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزة استخبارات ألمانيا الشرقية، والتي كانت بدايتها في 17 يناير 1981 في برلين الشرقية حيث التقى ياسر عرفات مع إريك هونيكر الذي منح الفلسطينيين كمية هائلة من الأسلحة، إضافة إلى 50 خبيرا ألمانيا لتدريب المقاتلين الفلسطينيين في لبنان.

لقد كان الاتحاد السوڤيتي هو "العازف" الأول لسيمفونية العلاقات مع الفلسطينيين، وهو ما كشف عنه موظف الاستخبارات السوڤيتية أوليج أجرانيانتس الذي كان يعمل تحت غطاء قنصل الاتحاد السوڤيتي في تونس، وتمكنت الاستخبارات الأمريكية من تجنيده عام 1980. إن أجرنيانتس بالذات هو الذي أفشى للاستخبارات الأمريكية جميع المعلومات والتفاصيل الخاصة بالاتصالات بين الاستخبارات السوڤيتية ومنظمة التحرير الفلسطينية.


انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ "Serebryansky, Yakov Isaakovich (1892-1956)". documentstalk.com.

قراءات إضافية

وصلات خارجية

خطأ: الوظيفة "with collapsible groups" غير موجودة.