قرعة الهامل

قرعة الهامل (Garet El Hamel)، هي منطقة صحراوية ذات أهمية استراتيجية وتاريخية بالغة، تقع في أقصى الجنوب التونسي ضمن النطاق الإداري لمعتمدية رمادة بولاية تطاوين. ارتبط اسم هذه المنطقة تاريخياً بملف رسم الحدود الصحراوية التونسية بعد الاستقلال، وشهدت إحدى المعارك الحدودية المنسية المتزامنة مع معركة بنزرت الشهيرة عام 1961. شهدت قرعة الهامل نزاعاً حدودياً مع فرنسا قبل استقلال تونس، وتشهد حالياً نزاعاً حدودياً بين تونس والجزائر.
التسمية
تُطلق كلمة "القرعة" في الطبوغرافيا الصحراوية التونسية والمغاربية على الأراضي المنخفضة نسبياً في عمق الصحراء، والتي تمتاز بقدرتها على الاحتفاظ برطوبة مياه الأمطار لفترات أطول مقارنة بالكثبان الرملية المحيطة بها. تحول هذه الرطوبة المنطقة إلى مرعى خصب ترتاده القبائل البدوية لرعي الإبل والماشية.
الجغرافيا
تقع قرعة الهامل في النقطة التي تلتقي عندها الحدود التونسية والليبية والجزائرية، وتمثل الامتداد الطبيعي والجغرافي للصحراء التونسية في أعمق نقاطها الجنوبية.
النزاعات الحدودية
تمثل منطقة قرعة الهامل الواقعة في أقصى الجنوب التونسي نموذجاً حياً "بمخلفات الحدود الاستعمارية" في المغرب العربي. هذا المربع الصحراوي الاستراتيجي، الذي يربط تخوم تونس والجزائر وليبيا، لم يكن مجرد مرعى تقصده القبائل البدوية، بل تحول في الخمسينيات والستينيات إلى جبهة نزاع سياسي وعسكري معقد بدأ ضد الوجود الفرنسي، وتطور إلى نقاش دبلماسي بين تونس والجزائر المستقلة، قبل أن يُغلق الملف نهائياً بروح أخوية.
تاريخياً، طالبت تونس بمساحة تبلغ حوالي 20.000 كم² من الصحراء (العرق الشرقي الكبير) وصولاً إلى نقطة الحدود 233، وذلك استناداً إلى اتفاقية عام 1910. وقد تخلت عن هذا المطلب تحت الضغط بموجب اتفاقيات عامي 1968 و1970. تحتوي المنطقة التي تسيطر عليها الجزائر حالياً على موارد هيدروكربونية (منطقة البرمة/بركين). وتشير تقديرات أولية تقريبية للغاية إلى أن الإيرادات المحتملة التي استحوذت عليها الجزائر تتراوح بين 30 و40 بليون دولار منذ عام 1962؛ وهو رقم تقريبي يحتاج إلى تدقيق وتحديد أدق فيما يتعلق بهذه المساحة المحددة البالغة 20.000 كم².[1]
النزاع التونسي الفرنسي
يعود أصل النزاع إلى سياسة الهندسة الجغرافية التي انتهجتها فرنسا أثناء احتلالها للمنطقة. ففي عام 1901، وقعت سلطات الاحتلال الفرنسي اتفاقية لرسم الحدود الجنوبية بين تونس والجزائر (المحتلتين آنذاك)، واعتبرت أن بئر الرومان هي النقطة النهائية للحدود الفاصلة. أما المناطق الجغرافية الواقعة جنوب بئر الرومان — ومن بينها قرعة الهامل — فتركتها الخرائط الفرنسية على هيئة "خطوط متقطعة" تشير إلى حدود مؤقتة وغير مستقرة. كانت فرنسا تتعمد إبقاء هذه التخوم غامضة لتسهيل حركة قواتها الصحراوية، ولاحقاً لتأمين حقول النفط المكتشفة في الصحراء الكبرى دون التقيد بحدود دولية.
عقب استقلال تونس عام 1956، ظهرت مسألة "الحدود الصحراوية الموروثة عن الاستعمار". كانت السلطات الاستعمارية الفرنسية قد خططت الحدود وفقاً لمصالحها الاستيطانية في الجزائر (التي كانت تعتبرها جزءاً من أراضيها). كانت فرنسا تزعم أن حدود تونس الجنوبية تنتهي عند الناظور رقم 220 (المعروف بحصن سان الفرنسي، وهو برج الخضراء حالياً). تمسكت حكومة الرئيس الحبيب بورقيبة بأن الحدود التونسية الفعلية تمتد أبعد من برج الخضراء بمسافة 25 كيلومتراً في عمق الصحراء، لتصل تحديداً إلى الناظور رقم 233 الواقع في قلب منطقة قرعة الهامل. واستندت تونس في ذلك إلى اتفاقيات قديمة (مثل اتفاقية الحدود مع طرابلس عام 1910). ادعت فرنسا أن تونس تسعى وراء الثروات النفطية والصحراوية المكتشفة حديثاً آنذاك في الصحراء الكبرى، ورفضت التنازل عن المنطقة، معتبرة أي تحرك تونسي صوب النقطة الحدودية 233 بمثابة اعتداء عسكري مباشر عليها.
معركة الناظور 233
مقالة مفصلة: معركة الناظور 233
أدت أزمة الجلاء العسكري الفرنسي عن تونس إلى انفجار الوضع في منتصف يوليو 1961. وبينما كانت المعارك الطاحنة تدور في الشمال حول قاعدة بنزرت البحرية، قررت القيادة التونسية فتح جبهة ثانية في أقصى الجنوب لتثبيت السيادة على قرعة الهامل. بدأت المواجهات في 18 يوليو 1961 واستمرت قرابة أربعة أيام، بين القوات الفرنسية والقوات التونسية. بدأت الحركة التونسية بقطع إمدادات مياه الشرب من البئر الارتوازية التونسية القريبة عن الحامية الحدودية الفرنسية المتمركزة بالتراب الجزائري. وكرد فعل، شنت القوات الفرنسية هجوماً مباغتاً مدعوماً بالدبابات وقاذفات القنابل الطائرة. قاد العمليات من الجانب التونسي العقيد محمد الميساوي (قائد حامية قابس) والمقدم المناضل عبد الله عبعاب (قائد وحدة الصحراء)، إلى جانب معتمد رمادة علي المرزوقي، وبمشاركة واسعة من قوات الحرس الوطني ومئات المتطوعين من أبناء المنطقة والقبائل المحلية (مثل قبائل الودارنة وتطاوين).[2] رغم القصف الجوي الفرنسي العنيف والفارق في العتاد، أبدى المقاتلون التونسيون صموداً كبيراً، ونجحوا في فرض أمر واقع جديد عبر التقدم ورفع الراية التونسية فوق برج كوكواي والنقطة الحدودية 233، مما ثبت المنطقة رسمياً كأراضي تونسية.
النزاع التونسي الجزائري
مقالة مفصلة: النقطة الحدودية 233
مع إعلان استقلال الجزائر عام 1962، وراثت الدولة الجزائرية الجديدة خرائط الإدارة الفرنسية. برز الخلاف اللوجستي عند منطقة قرعة الهامل نظراً لأن رسم الحدود فيها كان ضبابياً وغير دقيق (عبارة عن خط متقطع على الخرائط). ظهر التوتر بشكل جلي حول المناطق المحيطة بحقول النفط مثل حقل البرمة. تمسكت تونس بحقها التاريخي في المنطقة الممتدة إلى النقطة الحدودية 233، في حين رفضت الجزائر أي تعديل للحدود قد يمس بسلامة ترابها الوطني وفق المواثيق الإفريقية. عام 1970 تم التوقيع على اتفاقية أولية رسمت الحدود من بئر الرومان وصولاً إلى الحدود الليبية، وضبطت الخطوط العريضة لتقاسم الموارد وحسن الجوار. عام 1983 جاء الحسم التاريخي من خلال معاهدة الإخاء والوفاق، حيث وُضعت العلامات الحدودية النهائية بدقة متناهية، وطُوي ملف قرعة الهامل بشكل كامل وصارم وبموافقة الطرفين.
انظر أيضاً
المصادر
- ^ "The historical dispute over border post 233 (Garet El Hamel) must be renegotiated". Gbaghazi. 2026-10-14. Retrieved 2026-10-14.
- ^ "معركة الحدود الجنوبية الصحراوية الناظور 233". الدفاع العربي. 2022-11-03. Retrieved 2026-10-14.